حبيب السنافي : يهوديات 1-2

حبيب السنافييشغل الخيال الأسطوري والخرافي حيزا كبيرا في حياتنا، كما شغله بذات الحيز في الأدوار التاريخية المتقدمة، فالعقل البشري لوحة زاهية رسمت فيها من طرف الخيال الذي تميز به البشر عن سائر الكائنات قصصاً وحكايات احتوت على أماكن وشخصيات رمزية، قصد منها أسلافنا فناً روائياً ضم الحكمة والعبرة والنصح، ومحاولات خائبة للإجابة عن أسئلة مصيرية لاتزال الإجابة عنها مجهولة، فنون وخيالات سافرت لقرون وتجذرت بالأذهان، كحقائق ووقائع لها زمانها ومكانها وشخصياتها، واعتبر معتنقوها قضاياها مطالب وفروض لا حياد عنها، وملكت شخصياتها قدسيتها وعصمتها، واعتبرت تعاليم وأوامر ونواهي الأبطال تراثاً إنسانياً خالداً ومعرفة سماوية مطلقة.

ينطبق ما سبق على الديانة اليهودية، فقد آمن حاخامات اليهود وقساوسة المسيحية بأن كتاب التوراة كتاباً إلهياً مقدساً، اشتمل على حقائق تاريخية لاشك فيها، هذه الحقائق المزورة من قِبل مؤرخي التوراة أدَّت لصراع دموي امتد لمئات السنين بين القومية اليهودية والمسيحية الصليبية من جهة، وساكني أرض فلسطين من جهة أخرى، ولايزال الصراع متقداً، حروب وصراعات عللها التوراتيون بالتقاء إبراهيم بربه المدعو في التوراة «ايل» وأن هذا الرب أقطع إبراهيم ونسله من بعده أرض كنعان خالصة لهم «وقال الرب لابرام: ارفع عينيك، وانظر إلى الموقع الذي أنت فيه.. لك اعطيها ولنسلك إلى الابد». (التكوين١٥،١٤:١٣).

هل يمكننا التصديق والقبول بوعد إلهي لليهود باستلاب أرض من ساكنيها بالقتل والتدمير والتخريب، وأنه يحميهم وينصرهم مقابل الإخلاص له ويكافئهم بأرض اللبن والعسل فلسطين خالصة لهم!

وعلى مدى أجيال، جاهد أفاقو اليهود في غرس فكرة الأرض الموعودة من الله للشعب المختار لتحقيق مشيئته بتهيئة الظروف لعودة المسيح المخلص مرة أخرى، وألا سبيل آخر لذلك إلا باسترجاع «أريتس إسرائيل» في فلسطين.

إن الأصوليين من اليهود لن يتوانوا يوماً عن الإرهاب وارتكاب الفظائع، فترهات كِتابهم تنسب إلى يشوع خليفة موسى كيف استولى على أرض الكنعانيين مملكة تلو أخرى مستبيحاً البشر ومبيداً للحجر والمدر، ومن المنطلق نفسه نشر الإرهابي إسحق شامير مقالاً باللغة الإنجليزية حتى يقرأه أكبر عدد من الناس بالعالم، يقول فيه: تعالوا ننظر إلى معتقداتنا، حيث لا ديننا اليهودي ولا تراثنا يمنع استعمال الوسائل الإرهابية في حربنا ضد الأعداء، لذلك، فليس هناك أي سبب يدعونا إلى تبكيت الضمير، في الوقت الذي يدعونا الكتاب المقدس فيه أن: «اقتلوا الجميع ولا تبقوا على أي شيء يتنفس، فبناءً على توجيه الكتاب المقدس، نحن نقاتل ضد أعدائنا الأشرار».

إن الحركات الدينية اليهودية تتفق في ما بينها على أن أرض فلسطين هي أرض يهودية غير قابلة للنقاش، وأن الواجب الديني والقومي يحتم إعادة بناء هيكل سليمان على أرض المسجد الأقصى، ويطلب البعض منهم ترحيل الفلسطينيين إلى خارج الأرض الإسرائيلية، وإن لم تسمح الظروف، توجب على الفلسطينيين الاعتراف بشرعية الدولة اليهودية، وأن يجري تهويد كافة القوانين والجوانب الحياتية في إسرائيل وفق الشريعة اليهودية.

الأصولية اليهودية لا تفترق عن غيرها من الأصوليات الدينية بتشددها، وتمسكها بتراثها المغبر، فبعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، وتنازل إسرائيل عن سيناء، طالبت الأحزاب اليمينية المتطرفة المشاركة بالحكومة الإسرائيلية، الكشف عن سياسة الخيانة التي اتبعتها حكومة بيغن، بالتنازل عن الأرض اليهودية للعرب، وأعلنت هذه الأحزاب أن هذه الأرض يهودية، وأن العرب في هذه الأرض ضيوف ليس إلا.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Sahifa Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.