العلاقة بين الحجاب والإيمان

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

كتب محرر الشؤون الثقافية:
من المفارقة في المجتمعات الإسلامية في فترة صعود المد الأصولي، أن الاحتفاء الشكلي بالطقوس أصبح البديل لمُعايشة تعاليم الدين الروحية، والعمل بها في الواقع، وقد تفشت ظاهرة الحفاظ على الشكليات، بل والتمادي في فرض قيود لم يأتِ بها نص ديني، اللهم بعض الأفكار الفقهية التي صدرت في مجتمعات وعصور مخالفة لوقتنا الحالي.. ولعل أكثر هذه المظاهر انتشاراً «ظاهرة الحجاب»، التي أصبحت السِمة الدالة على هوية الفرد وديانته، مهما كان سلوكه الإنساني والنفسي، والأمر يزداد تعقيداً، إذا ما كان هذا الزي المميَّز للمسلمات في مجتمع غربي.. ولعل المشكلات المثارة بين الحين والآخر في الدول الغربية من تضييق ومواجهات مع المُحجبات، تنبع من حرص الدولة على مفاهيمها، وحرصا من المسلمات على هويتهن من ناحية أخرى.

وقد صدر أخيراً في ألمانيا كتاب بعنوان «لا ينضج المرء إلا في الحياة الدنيا» لمؤلفته الألمانية العراقية الأصل أمل زين العابدين*، التي تناقش من خلاله ظاهرة الحجاب كطقس خارجي عن السلوك الديني، معتبرة أنه ليس معياراً أو مقياساً لمدى الإيمان وممارسته على أرض الواقع، وخاصة أنها ارتدت الحجاب لما يزيد على الثلاثين عاما، ثم تخلَّت عنه، عند اكتشافها أنه ليس سوى علامة واهية تدل على الإيمان بالله.

أين الرجل من الحجاب؟

تبدأ الكاتبة مؤلفها بفرضية نظرية هي: هل وجوب حجاب المرأة هو ما يبعد الرجل عن الرذيلة والإغواء؟ وإذا كان الإغواء من نصيب المرأة، فهل لا يثير الرجل المرأة، وهل لا يكون مجالاً لإغوائها؟ وعلى ذلك أين الرجل من الحجاب، حتى لا تفتن به النساء؟

وهو بالطبع سؤال افتراضي، وكأنها قد قلبت الآية، ليتضح مقصدها، فالسلوك الإنساني لا يتوقف أمام امرأة تسير في حجابها، أو أنها تسير مكشوفة الرأس.

الحرية والعقاب الإلهي

تسرد المؤلفة حالتها وهي تخرج من بيتها لأول مرّة من دون حجابها، الذي اعتادته لمدة ثلاثين عاما، فشعرت بأنها للمرّة الأولى لا تلفت النظر – المرأة تعيش في ألمانيا – وأصبحت كالآخريات، لم تكن تحت المجهر، كما كانت، فشعرت بحرية أكثر مما كانت بكثير، على العكس من الموقف خارج البيت، وجدت آمال زين العابدين نفسها محاصرة بالعديد من الاتهامات من المقربين والمحيطن بها، إلى درجة التشكيك في إيمانها، كما توعدها الجميع بعقاب إلهي لهذه السقطة غير المغفورة.

ما بين العناد الشخصي والسلطوي

وتنتقد المؤلفة إصرار البعض وعنادهم في الربط بين التمسك بتعاليم الدين وارتداء الحجاب، وبالتالي النظر بدونية إلى كل امرأة لا ترتدي الحجاب، ورميها بسوء السلوك، وكل الموبقات الجاهزة في مخيلتهم.

وفي الوقت نفسه، تنتقد الكاتبة القوانين الغربية التي تحظر ارتداء الحجاب على أراضيها، وترى أنها شكل من أشكال التزمّت يقابله التزمّت نفسه الذي يمارسه المتأسلمون، وهو الأمر الذي يؤدي إلى استعداء المسلمين أكثر.. وتأسف لأن كلا الطرفين يحص الدين في شكلياته فقط، ويتناسى الجوهري منه، في سبيل هذه الشكليات خاوية المعنى، سواء بانتقادها أو التمسك بها. فالحرية التي تبيح الاستغناء عن الحجاب، هي نفسها التي تبيح للمرأة أن ترتديه وفق رغبتها المطلقة فقط، من دون أن يكون دليلاً ومؤشراً على سلوكها من قِبل الآخرين.

* أمل زين العابدين.. رئيسة الجمعية النسائية الإسلامية منذ 1995 وحتى عام 2000. حائزة جائزة «لوثر» الألمانية في مجال الحوار بين الأديان.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Sahifa Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.