الرئيسية » قضايا وآراء » محمد الغربللي : مصر.. رخص الأرواح

محمد الغربللي : مصر.. رخص الأرواح

يتسم شهر أغسطس في القاهرة بالحرارة، ويزيد اختناق شوارعها بالسيارات، على اختلاف أنواعها، إضافة إلى ما تطلقه عوادمها، لتزيد من حرارة الطقس في أماكن مفتوحة خارج مدينة القاهرة.. وقد تعوَّد الشعب المصري على كتمان النَفَس وسط الازدحام البشري والحديدي الذي يملأ الطرقات.

من ضمن السيارات العابرة في شوارع القاهرة، كانت شاحنة الترحيلات السوداء.. مركبة الأمن المركزي من دون نوافذ أو تهوية كافية.. كابينة خلفية سوداء كانت تحمل بداخلها عدداً ممن أُلقي القبض عليهم، بتهمة انتمائهم للإخوان المسلمين، أو ممن أُلقي القبض عليهم، بعد إفراغ ميدان رابعة العدوية.. تعبر الشاحنة الطرقات، متوجهة إلى سجن أبوزعبل المشهور، وعدد من البشر بداخلها يختنقون من حرارة جسم الشاحنة، ومن الاكتظاظ الشديد، تصل الشاحنة إلى بوابة سجن أبوزعبل وتتأخر في الدخول.. تحدث مناوشات، ويتم إلقاء قنبلة دخانية بداخلها، لردع من كان مقبوضا عليهم.. وهم مجرد متهمين وليسوا مدانين.. ثم يتم إغلاق باب الشاحنة، على الرغم من توسل من بالداخل لإخراجهم، بعد أن كادت أنفاسهم تتوقف.. يرفض الضابط المسؤول، ولا يعير توسلاتهم وصراخهم أي اعتبار.. يزيد صراخهم غير المسموع مع دنو الموت منهم اختناقا.. أن تموت اختناقا، فهذا يعني أنك تشاهد الموت البطيء أمام عينيك.. تراه ويراك ويسري في جسدك رويداً رويداً.. تحس به يأكل أنفاسك وتشعر بملامسته، قبل أن تلفظ آخر نفس، وقد يرتجف جسمك كآخر صرخات الاستغاثة.. الموت لا يستغيث ولا يطلب النجدة، بل يتلذذ بالتهام الجسد تلو الآخر، تُفتح الأبواب، ليجد الضابط نفسه أمام 37 جثة قضى أصحابها اختناقا.. مجرَّد متهمين تم إنزال القصاص بهم، لأنهم من جماعة رابعة.. جريمة إنسانية بامتياز ارتكبتها قوات الأمن المصرية من دون إحساس بالذنب أو تأنيب الضمير.

في الأسبوع الماضي، صدرت أحكام بحق المسؤولين الأمنيين عن هذه الجريمة، وقضت المحكمة بسجن مأمور قسم الشرطة 10 سنوات!

37 جثة مقابل عشر سنوات، لو وزعت على عدد الجثث، لكانت مدة العقوبة ما يقارب الستة أشهر على إزهاق روح كل شخص قضى نحبه من هؤلاء! ومضت المحكمة في حكمها بالسجن على ثلاثة ضباط سنة كاملة مع إيقاف التنفيذ.. لا نعلم ماذا كان في تقرير النيابة العامة التي قدمت ملف هذه القضية إلى المحاكمة؟ هل فسَّرت موتهم وقتلهم بأنهم كانوا يرفضون استنشاق الهواء مثلا؟ أو أنهم قتلوا انتحاراً بإيقاف تنفسهم؟!

بعد فض اعتصام رابعة بطريقة وحشية، لم تعد القوى الأمنية تكترث لقتل عشرات أو مئات.. وزيادة 37 قتيلاً على هؤلاء يُعد تحصيل حاصل لديها.. فهي لم تعد تهتم بحياة البشر.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *