الرئيسية » قضايا وآراء » ناصر العطار : المادة السادسة

ناصر العطار : المادة السادسة

ناصر العطار
ناصر العطار

في الحادي عشر من هذا الشهر حلّت ذكرى إصدار دستور الكويت الثانية والخمسين، وهو طوال هذه السنوات لم تُتح له فسحة التطبيق الكامل بشكل متواصل في خمس سنوات متتالية، كما نصَّت سطوره حتى يمكن تعديله، نحو مزيد من ضمانات الحرية والمساواة، كيف يمكن، دون التطبيق الكامل، أن يعرف الجيل الحالي من شعب الكويت أن هذا الدستور جاء إقراره بعد نضال أجيال كويتية سبقته لتكريس حقوقه الممتدة في الحرية والكرامة والمساواة والإبداع وواجبه المتواصل في حماية وجوده المتصل؟

واقع الحال يشهد على تقدّم الطائفية على حساب الأمن الوطني، وتسيّد التطرف الديني على حساب السماحة والتراضي وتجاوز السرقات قاعدة المحاسبة ومسطرة القانون، ووجود قيود مكبلة على الأعمال الحرة، وعدم تساوي الفرص أمام كل الناس.

إن هذا الواقع قد عطل مادة في الدستور هي أساس كل المواد، وتعطيلها تسبب في فرض كآبة عامة على أجواء البلد في كل النواحي والمجالات، وهي المادة السادسة، التي تنص على أن «الشعب مصدر السلطات جميعا»، وبتعطيلها لا نجد شعباً يحب الحياة ويمضي نحو البناء فيها، ولا نجد شعباً يثق أفراده بعضهم في بعض، ويحترمون تنوع أفكارهم، بل لا نجد مؤسسات سياسية واقتصادية وهيئات عامة وأندية رياضية وجمعيات نفع عام وفنون وصحافة تملك القدرة على التعبير عن ذات وجودها، وتستطيع أن تحقق أهدافها الوطنية لأن مصدرها هو الشعب قد استكانت قدراته، وانطفأ توهجه، وخف حماسه، وفسدت وسائل وصول صوته واختياراته، بعد أن فرّقته الطائفية، وبعثرته لفرق وجماعات فأوقفت مسيرته.

البعض يقول بلغة سيطر عليها الإحباط والتشاؤم، أو دفعتها الخباثة والتعمّد في بث اليأس، إن المادة السادسة مطاطية، ولا فائدة ترجى منها، وهنا نرى بقصد أم من دونه – تلبيس إبليس – حيث يتم الطعن بالمادة السادسة واتهامها بالهلامية، بينما يتم غض النظر عن الأسباب التي طعنتها والظروف التي راكمت التراب عليها، وأهم هذه الأسباب أن قوى الاستحواذ في البلد ترى في دستور الكويت، برغم أي قصور فيه، سداً منيعاً أمام سيطرتها على قطاعات البلد، وحاجزاً لصراعات نفوذها عليها.

دستور الكويت لم يتم إقراره إلا بناء على ما قرره المجلس التأسيسي، وهذا المجلس انتخبه الشعب بإرادته الحرة، وقد أعطى الدستور في لحظة إقراره التوافقية كل طرف في البلد حقه وصان أمنه وأمانه، وأصبح البلد مطمئناً لمستقبله، وسار يحقق الإنجاز تلو الإنجاز بإبداع مشهود له بفضل تفعيل المادة السادسة بعد أن أصبح أمن وأمان البلد كلاً لا يتجزأ على أرض الواقع، ووفق نصوص الدستور، لكن قوى الاستحواذ على كل صعيد أزعجها هذا التفعيل، لأنه يتصادم مع رغباتها في الاستئثار، وفي تقسيم الشعب لمجاميع تنفعها وتستنفع بها، فراحت ترمي بذور الفتنة حقبة بعد حقبة، وبتشجيع ودعم من كثير من الحكومات المتعاقبة لتعطيل التفعيل المستحق.. وقد كان!

ولنسأل أنفسنا بواقعية تامة: هل العيب إذن في نص المادة السادسة أم في ذاتنا التي استسلمت للفتن الطائفية، ولخواء الفكر وللخاص من المصالح؟ هل تغرينا مشاريع الزينة في كثير من الدول، بينما ننسى أن كثيراً من الشعوب في هذه اللحظة بالذات، وفي كل اللحظات عبر أجيالها، تبحث عما يؤكد أنها صاحبة الشأن ولا منة ولا فضل لأحد عليها في بناء أوطانها، وفي الدفاع عنها، وقد أكد دستور ٦٢ هذه الحقيقة دون التباس بنص المادة السادسة؟

إن حنيننا لأمجادنا الكويتية الماضية يدل على أمرين، يناقض كل منهما الآخر، الأول أن الحنين لهذه الأمجاد يوضح أننا شعب ينبذ التفرقة ويريد إعمال عقول أفراده، والثاني أن استمرار هذا الحنين دون تحويله إلى واقع ملموس في الحاضر يوضح أننا شعب مستمر في قبول التفرقة وفي الانغماس فيها، فهل نريد البكاء على الأطلال، أم مواجهة التحديات التي تفرض وجودها علينا، ونحن نبحث عن الإنجازات والأفراح؟ وكما قال د. عزمي بشارة، فإن حياة الشعوب لا تقبل الأبدية في التدهور.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *