الرئيسية » شيخة البهاويد » شيخة البهاويد : باب ما جاء في الدلع السياسي

شيخة البهاويد : باب ما جاء في الدلع السياسي

شيخة البهاويد
شيخة البهاويد

(1)

«مكتب المجلس أوصى باتخاذ كل الإجراءات القانونية حول كل من يسيء إلى المؤسسة التشريعية بجميع وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام, بالنسبة لنا كمشرعين نتقبل النقد وكل تعليق، لكن السبّ والإساءة هذا شيء مجرّم قانوناً، ولا نعتقد أي عاقل يقبل بعض التغريدات أو بعض التصريحات».

كان هذا تصريح العضو في مجلس الأمة أحمد لاري, وللتوضيح وحتى لا تتخذ أي إجراءات قانونية ضدي على اعتبار كلمة «عضو» سبة أو إساءة، فعضو هنا تأتي من عضوية النائب الفاضل في المجلس لا غير.

المجلس الذي يرفض السبّ، هو نفسه الذي أوحى فيه النائب عبدالله معيوف إيحاء جنسياً حول النائب السابق عبدالرحمن العنجري، الذي كان بدوره يبحث عن رجل في المجلس، فيدخل عليه النائب نبيل الفضل «سلايت» في مباراة كلامية من الأخلاق الرفيعة.

يرى لاري أن تغريدات الشعب المسيئة تستحق إجراء قانونياً، أما تصريحات ممثلي الشعب الهابطة فأمر عادي لا يستحق حتى التعليق عليه، لأن بالنهاية «من يملك القانون يملك حق العزف عليه» كما يقول أحمد مطر.

(2)

الرئيس مرزوق الغانم، الذي كان في عام 2011 يحذّر جهاز أمن الدولة من التعرّض للمغردين، صار مكتب المجلس الذي يرأسه اليوم يعيش دور أمن الدولة، ويلاحق المغردين، الفرق أن الناس لم يختاروا رئيس جهاز أمن الدولة، ولم يختاروا أياً من منتسبيه، لكنهم اختاروا رئيس مجلس الأمة وأعضاءه.

كنا ننتقد حكومة لم نخترها على ملاحقة المغردين، حتى أتى مجلس اختاره الناس ليلاحقهم!

يقول أحمد لاري مستبقاً من يحاول أن يقول عن المجلس إنه لا يتقبل النقد أن النقد مقبول وما لا يقبل هو السبّ، هل سأل قبل كل هذا لماذا يشتمهم الناس؟ ولماذا علا صوت شتائمهم إلى درجة أنهم لم يطيقوا معها صبراً؟

فليبحث السادة النواب عن الأسباب التي أوصلت الناس إلى هذه المرحلة قبل اتخاذ الإجراءات القانونية ضدهم.

ابحث يا سيادة النائب عما جعل الشعور بالقرف والسخط والغضب يغلب كل شيء عند الأفراد قبل أن تحاسبهم على بذاءتهم معكم، أو كما يقول مظفر النواب «لست بذيئاً لكن القيء وصل الحنجرة».

(3)
في الدول الأوربية المتخلفة عندما يسخط الشعب على من في السلطة لعدم تحقيق مطالب معينة، تجد الجماهير تقذف الطماطم والبيض وتشتم وترفع أصابعها في وجه الموظف العام الذي عيّنته هذه الجماهير ولم يحقق لها ما تريده، رغم أن هذه الشعوب تعيش في ديمقراطية وأمن اقتصادي وقوة سياسية دولية، بينما حماة الفضيلة والأخلاق هنا في عالمنا المتقدم يقمعون حريتك ويسخفون ديمقراطيتك، ولا تنعم بأي أمن اقتصادي أو اجتماعي، ولا حتى قوة سياسية دولية، وإن خرجت «من طورك» وشتمت، يقول لك «لا يقبل ذلك عاقل»، وكأنهم تركوا لك عقلاً بالأصل!

منذ فترة طويلة ونحن ندعو الناس إلى الالتزام بآداب النقد واحترام الآخر وعدم الهبوط في مستوى الحوار، ومازلنا نفعل، ولا نؤيد الشتم أو القذف، لكن حين دخل السياسي لهذا المعترك، هل توقع أن يقابله الناس بـ»المساج» و»الحمام المغربي»؟ لماذا يدّعي السياسي التفاجؤ بانحطاط الوضع، وكأنه لا يعلم ماذا يفعل الغضب والقهر بالناس، وكيف يخرجهم حتى من أخلاقياتهم. ألم يخبره أهالي المنطقة الذين يشاورهم قبل النزول للانتخابات، بأن الجماهير تأتي من بيئات تربوية مختلفة، بعضها أخلاقية جدا، وبعضها يخضع للغضب وينفجر، وأخرى غير أخلاقية بتاتاً، ستحاورك بكل شيء في أول نقاش خلافي؟

السياسي ليس فرداً عادياً تهتز مشاعره الرقيقة أمام الشتيمة، لا يكون المرء سياسياً إلا وقد درّب قلبه على الصلابة، وأذنه على أسوأ القول، وصدره على الرصاص، وظهره على الخناجر، أي دلع هذا حيث يهتز سياسي من تغريدة؟ ماذا ستفعل لو دخلنا حرباً -لا سمح الله-؟

إننا لا نشجع على الشتيمة، لكننا ندعو إلى التعامل مع الواقع، لو قام فرد عادي برفع دعوى سبّ ضد آخر، فالأمر طبيعي، لكن أن يقوم بذلك سياسي، فهذا أمر مثار سخرية، لأنه بكل بساطة «شيلمهن» أم يعتقد أنه يستطيع تربية الناس؟

وهذا ينطبق على السياسيين، ذكوراً وإناثاً، فلا عاصم لأي منهم منذ أن يحطوا رحالهم في هذا المعترك، فليعلم السياسيون أن الجو ملوّث، وأن الأرض «شوك» وأن الناس تحمل سياطها بانتظار أقصى درجات جودة العمل، ولن يعجبها حتى هذا الأقصى، وأن المديح هو وظيفة زوجتك الفاضلة وزوجك الفاضل فقط لا الناس ولا الإعلام، وأن النقد واسع جداً، قد يشمل ما تعتبره أنت عزيزي السياسي إساءة.

بالنهاية من لا قدرة له على تحمل الكلمات فليرحل، ومن لا يعرف كيف يخرس الشتائم إلا بالقضايا والملاحقات فليرحل، أما العمل السياسي فهو أن تعمل وتجتهد، وأن تتودد للناس وترضيهم، وأن تكون صلباً، وأن يسع صدرك الدنيا، عدا هذا مجرد دلع أطفال!

Print Friendly, PDF & Email

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *