الرئيسية » قضايا وآراء » ماجد الشيخ : ظاهرة الدولة الداعشية.. هامشية

ماجد الشيخ : ظاهرة الدولة الداعشية.. هامشية

ماجد الشيخ
ماجد الشيخ

لا يستقيم وجود الدولة –أي دولة– بغير نخبة سياسية تعاونها نخب ثقافية واقتصادية واجتماعية وفكرية، جميعها تنسجم على مسلك أو مسالك متقاربة، في تحمّل المسؤوليات المناطة بالدولة، وأي اختلال أو اعتلال في إحداها، سوف يوقع الدولة في إشكالات لا حصر لها، لجهة التداعيات المحتملة أو الممكنة الناتجة عن أي شكل أو نوع من تلك الاختلالات أو الاعتلالات، التي قد ترتكبها نخبة ما من النخب التي تشكل عنصر تكامل في ظاهرة الدولة. حيث إمكانية التطور تبقى قائمة إلى جانب النكوص، حين تتغلب عوامل التقدم على عوامل التراجع، أو العكس. فالظاهرة الدولتية أو الدولانية، أعقد من أن ينظمها فكر أو أيديولوجيا الحنين إلى فوضى التسلط أو الاستبداد، لدى القائمين على تفكيك الدولة لمصلحة السلطة.

  تشكل النخب السياسية رأس حربة التخلي عن المسؤوليات المفترضة بالدولة، وبالتالي إحداث اختلالات واعتلالات، قد لا يمكن إدراكها من قبل النخب الأخرى، بقدر ما يجري الانسياق وراء العديد من مركبات الاختلالات والاعتلالات التي تقلب معادلة الدولة، وتحرفها في اتجاهات يستحيل معها العودة إلى الوضع الطبيعي، لينقلب رأس هرم الدولة إلى قاعدة لسلطة، تخالف في وجودها وعلة وجودها الدولة. من هنا نشأت وتنشأ «الدولة» الاستبدادية، فلا يعود يستقيم معها أي شكل من أشكال الدولة المدنية/ المواطنية، حيث تصبح الغلبة لاقتصاد الريع واقتسامه بين النخب السياسية أولاً، ولقواعدها الأمنية والبوليسية والمخابراتية، وما يمكن أن تمنح من هبات وأعطيات لبعض أفراد النخبة الاقتصادية والاجتماعية المقربة من السلطة، ولبعض أفراد النخبة الثقافية؛ حيث تتشكل السلطة من مجموع هؤلاء، وهم الممسكون بلجام وأعنة استلاب وسبي الدولة واغتراب مجتمعها وشعبها، وقيادتهم في اتجاهات  لا تحقق أي مصلحة من مصالح الناس كمواطنين، لم توجد الدولة إلا لكي يقوم مسؤولوها على خدمتهم، بغض النظر عن اختيارهم بالانتخاب، أو بغيره من طرائق وأساليب نشوء الدول.

   وهناك حالات انقلب فيها دور النخب المالية والتجارية، بحيث باتت تتحكم، ليس بالوضع الاقتصادي، بل بالوضع السياسي كذلك، وهنا أيضا بات وضع الدولة ملتبسا، حيث جرت وتجري عملية هيمنة واسعة على مقدرات الدولة، وتحويلها لمصلحة سلطة النخب المتكاتفة والمتفقة على نهب ممتلكات الدولة والشعب، وتجييرها لمصلحة نخب السلطة، سلطة الغلبة والإكراه على قاعدة «معرفة من أين تؤكل الكتف».

  أما بالنسبة لظاهرة الدولة «الداعشية»، الناشئة أو الناتجة من إرادة «الخليفة» و»أمرائه الميامين»، فهي انعكاس لسلطة تتماهى و»القدر» و»الغيب» و»إرادة الله»، بمعنى أفصح هي سلطة لا دولة، ولا تطمح لأن تكون دولة، في يوم من الأيام، على الرغم مما تحاوله من تقليد الدول، وظواهر نشوئها الطبيعية أو المفتعلة، وعلى الرغم من محاولات تماهيها ودول الهيمنة الكبرى الإمبريالية أو الإمبراطورية، بحيث تبقى قاصرة عن بلوغ درجة الدولة، بل هي في أدنى درجات السلطة البدائية أو الأهلية، التي لا ناظم أو معايير لها، لا حديثة ولا قديمة، هي ظاهرة طارئة وعابرة في التاريخ الحديث، تاريخ لم يستطع أصحاب المصلحة والتطلعات الحديثة لإنشاء الدولة المدنية؛ دولة المواطنين الأحرار، الحفاظ عليها كدولة تواكب عصرها وزمنها، فجاء «الدواعش» من الهوامش، يحاولون ابتناء دولة «السلطة الخليفية»، التي ومهما حاولت فهي لن تدوم، كونها متخلفة عن زماننا حوالي قرن ونصف القرن من السنين العجاف، التي لم تفلح في ابتناء دولة عصرية حديثة، على أنقاض تقسيمات سايكس وبيكو وقانون الملل والنحل العثماني.

  إن ظاهرة «الدولة الداعشية» في زماننا هذا، ظاهرة هامشية، وستبقى كذلك تعيش على الهوامش، وقودها الناس من «الدواعش»، الذين غلّبوا ويغلّبون الموت على الحياة، وهم يغلبون بؤس النقل على جواهر وابتكارات وإبداعات العقل، ولن يكون في مقدورهم الانتقال من الهوامش، فهم منذورون لغير ما تأتي به القادمات من جواهر الكلمات والسلطات، وما تجود به الحياة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *