الرئيسية » ثقافة » رواية «موت إيفان إيليتش» لـ «تولستوي».. موت الطبقة البرجوازية

رواية «موت إيفان إيليتش» لـ «تولستوي».. موت الطبقة البرجوازية

غلاف الرواية
غلاف الرواية

كتب محمد جاد:
ضمن سلسلة «آفاق عالمية» صدر حديثاً عن الهيئة العامة لقصور الثقافة الترجمة الكاملة للرواية القصيرة «موت إيفان إيليتش»، وقصص أخرى لـ «تولستوي»، قامت بالترجمة مها جمال، وتعد هذه الترجمة ــ حسب المُترجمة ــ هي الترجمة الكاملة والأدق لرواية الكاتب الروسي الكبير، صاحب الرواية الأشهر «الحرب والسِلم»، وتمثل موت إيفان إيليتش، التي كتبها تولستوي عام 1886، المرحلة القصوى للنضج الفني، مما دفع القائمين على القوائم الإنكليزية والفرنسية لاختيارها ضمن أهم الأعمال الإبداعية في التاريخ الإنساني، رغم أنها الأقل شهرة بين أعمال تولستوي للقارئ العربي. ومن هنا تأتي أهمية ترجمة هذا العمل.

القدرة على مواجهة الموت

كتب تولستوي (1828 ــ 1910) روايته ساخراً من موقف الطبقة البورجوازية في عصره، من اهتماماتها وصلفها الفارغ، والشكليات المقيتة التي يقدّسونها، بعيداً عن أخلاقيات إنسانية وجدوها غير ذات جدوى، فـ»إيفان إيليتش» هو نموذج عصره، أو «البطل النمط» كما كان يُطلق «جورج لوكاتش» على مثل هذه النوعية من الأعمال، فأصحاب الشخصيات المُشابهة لشخصية إيليتش، لابد أن ترتعب من الموت، لأنها تجهل عيش الحياة. إيفان، الذي يعيش في عالم لا يبالي إلا بنفسه، والذي يعمل قاضياً بالمحكمة العليا، ولا ينظر إلى الأشخاص الذين تحت رحمته إلا من خلال أسماء مُجرّدة، دون الشعور بأدنى حِسٍّ إنساني نحوهم.. حالة من اللامبالاة تجاه الفئات الأخرى، وهو الأمر نفسه عندما أصابه المرض العَرَضي، سئم منه الأصدقاء والزملاء، حتى الزوجة، ليصبح تحت رحمة قدره ومصيره المحتوم نحو الموت.

لحظة الموت

يبدأ تولستوي الرواية بنبأ موت «إيفان» وتداول الخبر بين الزملاء في المحكمة، وبعد كلمات التأسي المعهودة، يبدأ الجميع في الانشغال بأحاديثهم العادية، من ترقيات وإجازات وامتيازات، وهو ما يعكس حالة الجفاء والمصالح التي تربط أفراد هذه الطبقة بعضها ببعض، وعلاقاتها الزائفة، التي لا تنتمي إلى الحِسّ الإنساني، وعن طريق إعادة سرد الأحداث في الزمن الماضي (الفلاش باك) تبدأ الرواية بالتعرّض إلى حياة «إيفان».

العبث

يحصل إيفان على ترقية، فينتقل إلى الريف، جاءت الترقية مُصادفة، ويبدأ في ترتيب البيت الجديد، ويُساعد النجار في وضع ستارة، فيسقط ــ مُصادفة ــ وتبدأ رحلته مع الألم، حتى يحار الأطباء في أمره، وتتفاقم حالته، ليستسلم، ويسأم منه الجميع.. الزوجة والابنة، ليبدأ في معرفة أو اكتشاف الحقائق التي كان ينفيها بينه وبين نفسه ــ أفكار وشعور طبقته ــ فالأصدقاء والعائلة لا يشعرون نحوه بأي عاطفة. ليموت في بُطء، يُعاني قسوة الوحدة والعزلة، وقد عرف مؤخراً أن كل ما قام به في حياته لم يعد له معنى. فالمُصادفة هنا كانت تعبيراً عن موقف وجودي عبثي، يرى تولستوي الحياة من خلاله، وهو الأمر الذي يجعله الحد الفاصل بين حياة «إيفان» ومصيره.

جيراسيم

لم يتعاطف أحد مع «إيفان» سوى خادمه «جيراسيم»، الذي كان يؤدي واجب خدمته في البداية، ثم تحوّل الأمر إلى شفقة تجاه هذا المريض، الموشك على الموت، «جيراسيم» المزارع البسيط، الذي لا يمتلك سوى إيمانه الفطري، لا يرى في إيفان سوى حالة إنسانية، وقد تجرّد من صلفه، وتنصّل من طبقته. وبالتالي كان استقبال جيراسيم لموت إيفان حالة من التسليم المطلق بما سيؤول إليه حال الجميع، في بساطة وقناعة. وهو ما يُعبّر عن موقف تولستوي، وهو ما كتبه صراحة في كتابه «الاعترافات»، إذ يقول «الموت الهادئ تحت تأثير طقوس الكنيسة هو مثل الموت تحت تأثير المورفين»، وهو الأمر الذي جعله لا يؤمن سوى بالإنسانية والإخاء والإيمان الفطري، وهو ما تجسَّد في صورة الفلاح البسيط «جيراسيم».

موت إيفان هو موت هذه الطبقة

تولستوي وحياته الممتدة بداية من عهد الرق، مروراً بمنتصف القرن التاسع عشر ومحاولات الإصلاح، إلى انتفاضة 1905، حتى عتبات ثورة فبراير 1917، التي كانت مقدمة للثورة الاشتراكية الكبرى في أكتوبر من العام نفسه، جعل «لينين» اعتباره «مرآة الثورة الروسية» لتجسيده في أعماله مدى الإيمان بالشعب وحقه في حياة إنسانية تليق به.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *