الرئيسية » عربي ودولي » افتعال المعارك الفلسطينية وسيلة لنسف المصالحة الوطنية.. وعودة التوتر

افتعال المعارك الفلسطينية وسيلة لنسف المصالحة الوطنية.. وعودة التوتر

اسرائيل تمضي في بناء المستوطنات رغم الشجب والاستنكار
اسرائيل تمضي في بناء المستوطنات رغم الشجب والاستنكار

محمد الغربللي:
الحدث كان فجر يوم الجمعة 7 نوفمبر الجاري، خمسة عشر انفجاراً استهدفت منازل لقيادات فتحاوية في غزة، والمنصة الرئيسية التي سيُجرى فيها احتفال لمناسبة مرور عشر سنوات على رحيل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات.. في اليوم ذاته اجتمعت اللجنة المركزية لحركة فتح في الضفة وخرج ثلاثة من القياديين البارزين، ليس واحد أو اثنان، وهم عزام الأحمد وناصر القدوة وحسين الشيخ، فتحدث أولهم (عزام)، الذي كان يقود مفاوضات المصالحة والاتفاق مع «حماس»، التي انطلقت في مطلع هذا العام وأفضت إلى إعلان خارطة طريق تنفيذية وإنهاء حالة التشرذم في الساحة الفلسطينية، وكان ذلك في نهاية شهر إبريل الماضي.. ومباشرة في يوم الجمعة عقد مؤتمر صحفي شارك فيه عزام الأحمد وناصر القدوة وحسين الشيخ..

في هذا المؤتمر الصحفي بعد اجتماع اللجنة المركزية، حمّل عزام حركة حماس مسؤولية التفجيرات التي جرت.. نعيد مرة أخرى التفجيرات تمت فجر الجمعة والمؤتمر الصحفي عقد عصر الجمعة، وكأن الجماعة مهيأون لعقد مؤتمر لإعادة علاقات التوتر بين «فتح» و»حماس»، حيث صبّ القادة الثلاثة جميع حممهم على «حماس»، باعتبارها المسؤولة عن وقف حالة المصالحة الفلسطينية بممارستها تلك.. كما أشار عزام لموضوع إعادة إعمار غزة بأن السلطة تريد «إعمار غزة فوق الأرض، وليس تحت الأرض» وكررها أكثر من مرة في المؤتمر الصحفي ذاك.. وهو يعني بقوله إن السلطة لا تريد لـ»حماس» أو غيرها من التنظيمات في غزة استخدام أدوات البناء لإنشاء أنفاق في غزة لمواجهة أي عدوان إسرائيلي قادم، على غرار الحرب الارهابية التي شنتها إسرائيل الصيف الماضي.

رسالة «فتح»

هي رسالة لجميع تنظيمات المقاومة في قطاع غزة، بأن عليها أن تستكين كما هو حال سلطة رام الله، انتظاراً لما تجود به إسرائيل عليها.. بدورها نفت «حماس»، وعلى لسان أكثر من مسؤول وقيادي، قيامها أو ضلوعها بالتفجيرات التي جرت، وطلبت من «فتح» التحقق وفتح تحقيق في هذا الأمر، وصرح د. سامي أبو زهري في 9 نوفمبر «أن تراجع عزام الأحمد عن اتهام حماس بأحداث غزة غير كاف، وطالب بإيقاف الحملة الإعلامية الظالمة، التي يقودها رئيس السلطة الفلسطينية شخصياً ضد حماس».. بعدها بيوم أطلّ عضو اللجنة التنفيذية توفيق الطيراوي من تلفزيون فلسطيني، مكرراً الاتهامات الموجّهة لـ»حماس»، وكأنت الأوامر أعطيت نحو مزيد من حالة التوتر وإعادة الانقسام الفلسطيني مرة أخرى، ولكن هذه المرة باستخدام سلاح المال لمحاولة التدجين، وما تحتاجه غزة حالياً هو المال لإعادة بناء آلاف المنازل المدمَّرة والمدارس، هذا خلاف رواتب العاملين.

بعد التصريحات والمؤتمر الصحفي الذي أتى كحالة طوارئ سريعة جداً، ألغى رئيس الحكومة الفلسطينية، رامي الحمد الله، زيارته لغزة، حيث كان يفترض أن يكون باستقبال وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي السيدة فيديريكا موغيريني، التي وصلت إلى غزة بغياب الحمد الله.. كما ألغي احتفال إحياء ذكرى عرفات، ومازالت التصريحات متبادلة ما بين الاتهام والنفي.

الغضب الإسرائيلي

عودة لأحداث سابقة ضمن تسلسلها، بعد وصول «فتح» و»حماس» إلى اتفاق في شهر إبريل الماضي، والتوصل إلى حكومة وفاق وطنية والعزم على انتخاب المجلس الوطني الفلسطيني كسلطة تشريعية، غضبت إسرائيل من السلطة، وترجمت غضبها بأن رفضت الالتزام بإطلاق سراح ثلاثين أسيراً فلسطينياً في سجونها بموجب هذا الاتفاق.

وكما أغضب هذا الاتفاق إسرائيل، بالتبعية شجبت الإدارة الأميركية هذا النهج، وقتها توقفت المباحثات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية التي خيرها نتنياهو ما بين مفاوضات السلام الأبدية، أو الاتفاق مع «حماس».. ومع توقف المفاوضات زادت وتيرة إنشاء مستوطنات جديدة في الضفة والقدس الشرقية، من دون اكتراث لأي شجب أو استنكار من أي مصدر كان.. وزاد التضييق اليومي على سكان الضفة وبالذات مدينة القدس.

ضغوط على عباس

في الاجتماع الذي جرى في العاصمة القطرية بين محمود عباس وقيادات أخرى وخالد مشعل وبموجب المحضر الذي تم تسريبه، ألمح عباس عن حجم الضغوط من دول عربية وأجنبية، لإنهاء اتفاقه مع «حماس»، وقد كان متوتراً جداً في حديثه، بحيث اضطر الشيخ تميم لإيقاف الاجتماع من أجل تبريد الأجواء التي كان يدور بها النقاش.. وقد عبّر عباس في هذا الاجتماع عن عدم رضاه عن النهج المقاوم في غزة، بينما كان العدوان الإسرائيلي مستمراً في عدوانه على القطاع.. السلطة وجدت نفسها في نوع من الورطة باتفاق المصالحة هذا، فلا الإسرائيليون يقبولون به منذ إعلانه، وزاد رفضهم له، ولا الإدارة الأميركية تريد أن يمضي الشعب الفلسطيني لترتيب بيته الداخلي بما يحقق طموحاته الوطنية.. إملاءات إسرائيلية – أميركية يجب أن تنفذها السلطة! نقطة على السطر.. وهي الرسالة ذاتها التي تلقاها صائب عريقات خلال زيارته للولايات المتحدة مؤخراً.

نهجان مختلفان

لا يمكن جمع النار والماء.. التنظيمات في القطاع، ومنها «حماس» ترفض تماماً نهج الخضوع وإلقاء سلاح المقاومة، والسلطة على النقيض من ذلك ترفض أي احتجاج فلسطيني ضد إسرائيل، سواء كان مسلحاً أو سلمياً، والتنسيق الأمني اليومي مستمر بين الأمن الإسرائيلي وأمن السلطة.. فكم مرة صرح عباس عن التصدي أمنياً أو بالقوات المسلحة لأي انتفاضة في الضفة لمكافحة مثل هذه التحركات؟

نهجان مختلفان لا يمكن الجمع بينهما.. لذا قد تكون عملية التفجيرات التي حدثت فجر الجمعة، والتصريحات السريعة والمتواصلة من قيادات فتحاوية، ما هي إلا محاولة لإعلان نهاية الوفاق وعودة الانقسام مرة أخرى.. فالماء والنار لا يجتمعان.. ولكن القرار الأخير ليس بيد هذا الطرف أو ذاك، بل بيد الشعب الفلسطيني وحده.

وأخيراً حتى في الاحتفال الذي جرى في رام الله الأسبوع الماضي، توج رئيس السلطة تصريحاته بمهاجمة «حماس»، مع أن الرئاسة تستلزم وحدة الشعب الفلسطيني، خاصة في مثل هذه الظروف التي تقوم فيها السلطات الإسرائيلية باستخدام كل أدوات البطش والاعتقال والتنكيل بالشعب الفلسطيني.. وهكذا تحوّل الاحتفال إلى مناسبة لكل الاتهامات بين الطرفين الفلسطينيين، وغدت المناسبات الوطنية مناسبة لتوتير الأجواء وإلهاء الشعب الفلسطيني في تيه التشرذم والكف عن مواجهة العدوان الصهيوني.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *