الرئيسية » قضايا وآراء » ناصر العطار : رسالة إلى زوجتي

ناصر العطار : رسالة إلى زوجتي

ناصر العطار
ناصر العطار

في عام ١٩٧٤ أراد وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر، المعروف بذكائه ودهائه، زيارة المنطقة العربية لأول مرة في حياته للالتقاء ببعض الحكام والسياسيين العرب، وكعادة الأسلوب الغربي في التعامل مع الآخر، فإن كيسنجر رغب قبل بدء الزيارة في اكتشاف نمط تفكير العقلية العربية لكي يعرف كيف يتم التعامل معها ، طلب كيسنجر من معاونيه أن يزودوه بالمعلومات الوافية لتحقيق غرضه المطلوب، فقدموا له عدة تقارير كان من بينها تقرير عنوانه «السوق» يصف فيه السواد الأعظم من أوطان الأمة العربية على أنها سوق واسع، وعامة الناس فيه يبيعون بضائع متعددة، وكل منهم سيؤكد أن بضاعته هي الأجود، وأن أسعارها هي الأفضل. ويستطرد التقرير وصفه، ويقول لكيسنجر: «لا عليك من كل هؤلاء الناس، فالقرار الفعلي ليس بيدهم، بل بيد معظم المسؤولين الكبار، فعليك بالذهاب إليهم مباشرة، وكيل عبارات الثناء والمديح لهم، وعندئذٍ ستشتري منهم ما تريده بأنسب الأسعار بالنسبة لك، وعلى حد تعبير لغة الأخبار فإن هذه الحكاية يرويها مصدر مُطلع، وقد مضى عليها أربعون سنة، فما مقصدي من ذكرها؟ ولماذا أكتب هذه الرسالة إلى زوجتي؟ وماذا تغيّر بعد مضي أربعين سنة على الحكاية؟

في الحقيقة أنني أبعث بهذه الرسالة إلى كل زوجة وفتاة تكرمني بقراءتها وإلى زوجتي قبل الجميع، فمن باب أولى أن أتوجه بحديثي إليها بكل ما فيه، أن ما ذكره التقرير الأميركي لا أظن أنه يفتري على الحقيقة، ولا يغالي كثيراً في وصفها، فواقع الإنسان العربي والإنسانة العربية يقول إنهما مُهمّشان ومصلحتهما العامة ليست في الاعتبار، وهما المسؤولان عن تهميش ذاتهما وضياع مصلحتهما، بالرغم مما يمكن أن نحمّل سياسات وسياسيين مسؤولية هذا التهميش والضياع، لكن يبقى الاستنهاض بيدهما وحدهما إذا ما وعيا وتعلما وهما نفسهما القادران بالوسائل السلمية وبوسائل التواصل على فرض السياسة التي تعبر عنهما وتحقق مصلحتهما، ويكون لهما حق محاسبتها إن أخطأت وتجاوزت.

عزيزتي الزوجة، إن كان التقرير الأميركي يقول إن الناس في أغلب الأوطان العربية مهمشين، فما الذي يمكن أن نقوله بالذات عن حال المرأة فيها حتى من دون تأثير مضمون ما جاء في التقري؟ قوانين أغلبها مجحفة بحقها ونظرة اجتماعية منقوصة نحوها وعقلية ذكورية تكاد تحاصرها من كل جانب حتى وصلت في بعض الأحيان إلى أن الزوجة نفسها تقبل بهذا الحصار العقلي ولا ترفضه، أو تفكر في كسره لكي تعيش مع زوجها تحت ظل أسرة حرة ومتوازنة ومتصالحة مع نفسها.

إن العقلية الذكورية التي تتصوّر أنها عارفة وعالمة ولها فقط حق التصرف والرأي، ناتجة لترسبات مفاهيم وأفكار قرون بائدة، ليس من السهولة إزالتها من فوق كاهل الزوجات المرعوبات والأزواج الواهمين والخاسرين لرجاحة عقول زوجاتهم وحسن معاشرتهن بسبب الوهم الذين هم فيه، ما المانع من قيام ديمقراطية حقيقية في الأمة؟

ما المانع من تداول سلمي للسلطة عند العرب؟ ما المانع من تطوير مناهجهم التعليمية؟ كلها أسئلة لا أجوبة لها، إلا بعد أن تراجع العقلية العربية نفسها.

في الكويت دستور يحمل في طياته مدى تقدّم الكويتيين واستنارتهم، لكن هذا الدستور تم تقييده وتقدّمت عليه ثقافة العقلية الذكورية، وتم منع – على سبيل المثال – التعليم المشترك في جامعة الكويت، ما يدل على احتقار الحرية الشخصية، والتشكيك بذات الطلبة وتربيتهم، وبالتحديد في ذات الطالبة، التي يدور مغزى المنع حولها، وفي مثال ثانٍ قيل إنه إشاعة، ظهرت أقاويل حول عزم بعض الحكومات العربية منح هبات مالية للأزواج الراغبين في الزواج من ثانية، بشرط أن تكون من نفس الجنسية الوطنية، حتى تتم محاربة ظاهرة العنوسة والتأخر في الزواج، ما أوجد ارتياحا لدى بعض الأزواج، وكأن من لا ذنب لها هي المخطئة، ولا سبيل لقيام بيت عامر إلا بتخريب بيت مستمر، بدلا من خلق حلول تحاكي التربية الاجتماعية والفكرية لإيجاد حلول منطقية أو قريبة من المنطق.

إن التغيير المرجو لا يتم إلا من خلال التجربة، فهي خير برهان، وقد أثبتت التجربة أن بقاء المجتمع العربي وأغلب مؤسساته وحكوماته تحت راية العقلية الذكورية أوجد احتجاجا عارما سُمّي بالربيع العربي، وقد نتج عنه ظهور ثقافات متطرفة راسبة في العقول، ومصالح خاصة لها نفوذ شاسع، لكن هذا كله لن يفلح في إيقاف مد الكرامة والحرية للناس كلها، رجالا ونساء.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *