الرئيسية » قضايا وآراء » ماجد الشيخ : سلطة إلغاء الذات والآخر «الجهادية»!

ماجد الشيخ : سلطة إلغاء الذات والآخر «الجهادية»!

ماجد الشيخ
ماجد الشيخ

لا يستهدف الاستبداد غير الانتصار لنفسه، وإلغاء الآخرين.. كل الآخرين، لهذا تستمر «حروب الإلغاء الجهادية» وتتواصل، تواكبها وستبقى حركات الانشقاق وتصفية الفصائل الصغرى وابتلاعها من قبل الفصائل الكبرى، واغتيال وقتل قادتها، تمهيداً لتصفية كل من يقف في وجه الجولاني وتنظيمه والبغدادي وتنظيمه، وهما قطبا «الجهادية» التكفيرية والإرهابية الرئيسان في معمعة «الحرب الكبرى» التي يخوضانها في العراق والشام، في مواجهة استبدادات أعتى لنظامي حكم البلدين وميليشيات طائفية ومذهبية لا تقل إرهاباً ووحشية عن إرهاب «الدواعش» وأضرابهم.

وللوصول إلى «الدولة المنشودة» يحتمل أن يموت ويُقتل ويُذبح ويُسبى ويُسترق ويُباع ويُشرى (أحياء وأموات) الآلاف المؤلَّفة من حيوات الناس الذين لا يستحقون مصيراً كهذا، كما لا تستحق الآلاف المؤلّفة من حيوات أناس آخرين، أبادتهم سجون الأنظمة الاستبدادية ولم تزل تبيدهم، بالكيماوي وبغيره من الأسلحة الفتاكة المصنَّعة في الداخل، كما والتي جرى استيرادها من الخارج، من لدن أنظمة تدّعي غيرتها على حقوق الإنسان ودفاعها الشكلي عنها.

  لقد جرى ويجري في بلادنا تغييب مسألة الدولة المدنية، حين لا يجري الدفاع عنها، بل ويجري العمل على تحطيمها وتدمير كامل أسسها؛ كل هذا من أجل «دولة السلطة» سلطة الاستبداد التي لا تحتمل وجود آخر في مواجهتها، بقدر ما تتطلب نعاجا تسوقها إلى حيث تريد، فلا سياسة ولا حريات ولا مجتمع مدني ولا أحزاب ولا قضاء عادل، ولا مواطنة، ولا شيء من هذا القبيل، قبيل الأسس والبُنى التي تقوم عليها الدولة المدنية، علمانية الطابع، المتعددة والمتنوعة في داخلها، والتي تحترم حريات أفرادها، كما تحترم حريات جميع مكوناتها بالتساوي والتوازي، من دون أي تفرقة أو تمييز؛ فأي «دولة» يسعى «الدواعش» وأضرابهم لبنائها وفق شرع تختلف مقوماته ومكوناته، بين فرد وآخر من أفراد سلطة لا تعترف للآخرين بأي حق، ويُراد من الناس أن يعترفوا لها بكل الحق والحقوق التي لا سند ولا مرجعيات لها، لا دينية ولا سياسية ولا قانونية, كي يُحكموا بها ويُقتلوا ويموتوا بفنون العذاب، ويُذبحوا «ذبحاً إسلاميا» مع التكبير.

فأي مهزلة يرتكبها «الدواعش» وأضرابهم بحق الدولة التي يدّعونها «إسلامية»، أو بحق «الخلافة» التي أرادوها، ويريدونها كتلك التي كانت يوماً في صدر الإسلام؛ وهذا ما لن يكون متاحاً أو ممكناً بالمطلق.

من أجل هذا، ولهذا سوف تستمر «حروب الإلغاء الجهادية» في قتل «مجاهديها» أولاً، قبل قتل الناس أجمعين(!) نعم أجمعين، ماداموا لا يرطنون برطانة «الدواعش»، أو يؤمنون إيمانهم، كمقلدين يجيدون التقليد والتبجيل والتأويل «الداعشي» وتأويلاته التي لا مرجعية ولا إسناد لها بالمطلق. وهي حروب سوف تستمر طالما استمر ويستمر الخلاف المرجعي العقائدي، حتى على أصغر المسائل، فما بالنا والخلاف على المسائل الكبرى يجر نفسه على مسائل صغرى أقل شأناً، قد لا تكون من الدين أصلاً، وقد جرى دمجها حديثاً، وصارت محور خلاف «المجاهدين» من أجل الفوز بالسلطة، حيث صار استبدادهم هو «المقدس»؛ مقدسهم الذي يختلفون في شأنه ويقتتلون ويتذابحون، ولا نبالغ هنا، فمسألة «الحروب الجهادية الإلغائية» الجارية في سوريا اليوم، أبلغ دليل، ليس على نوايا، بل على بدء تنفيذ عملية تصفية وابتلاع «الدواعش» و»النصرة» لكامل الفصائل الجهادية الصغيرة، وفي الغد سوف نجد أمامنا لوحة سيريالية من «جهاد» يناطح نفسه، وينحر نفسه من أجل الاحتفاظ بسلطة استبداد دينية لا منافس لها على الإطلاق، أو هكذا يأمل المتسلطون على «جهاد الذات» ضد الذات. وهذا أمل لا شفاء منه، ولا مناص من تكرار انشقاقات لا تنتهي.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *