الرئيسية » عربي ودولي » أوروبا تعيق جهود إحلال السلام في الشرق الأوسط

أوروبا تعيق جهود إحلال السلام في الشرق الأوسط

المجتمع الدولي يكتفي بإحصاء الخسائر ومشاهدة الدمار
المجتمع الدولي يكتفي بإحصاء الخسائر ومشاهدة الدمار

ترجمة ظافر قطمة:
تناولت صحيفة نيويورك تايمز جهود السلام المتعثرة في الشرق الأوسط، والمحاولات المتواصلة لتحقيق تسوية من نوع ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين والعقبات التي تحول دون بلوغ ذلك الهدف.

وقالت الصحيفة في تعليق بقلم نافي بيلاي، نشرته في عددها بتاريخ السادس من الشهر الجاري، إن «العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في الصيف الماضي كان الحدث الأخير في دورة مستمرة من الارتياب وعدم الثقة والعدوان والتدمير، وعلى الرغم من ذلك ظل العالم يحصي الخسائر التي لحقت بالأرواح والمنازل والمشافي والمدارس والمعامل وغيرها من معالم البنية التحتية المدنية. وقد قتل أكثر من 2100 فلسطيني في هذا النزاع، وكان نصفهم على الأقل من المدنيين وحوالي ربعهم من الأطفال. كما مات 66 جندياً إسرائيلياً أيضاً، إضافة إلى خمسة مدنيين بمن فيهم طفل واحد».

نافي بيلاي
نافي بيلاي

دورة العنف

وأضاف التعليق أن دورة العنف هذه يمكن أن تكسر عندما يصرّ المجتمع الدولي فقط على تحقيق درجة أعلى من المساءلة والمحاسبة ويكفّ عن التعامي عن الانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان التي ارتكبت من طرفي النزاع.

وتتمثل واحدة من طرق تسهيل المساءلة في انضمام فلسطين إلى المحكمة الجنائية الدولية. وتستمع هذه المحكمة، التي عملت قاضياً فيها لخمس سنوات، إلى قضايا تتعلق بأكثر الجرائم الدولية خطورة: الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب. كما أن هذه المحكمة تلعب دوراً حيوياً في ردع عمليات العنف في المستقبل وضمان تحقيق العدالة بالنسبة إلى جرائم لم تخضع للمحاكمة، أو لا يمكن إخضاعها لذلك الإجراء على المستوى الوطني. وقد دخل تشريع روما، وهو الأساس القانوني للمحكمة الجنائية الدولية حيز التنفيذ سنة 2002 وانضمت إليه 122 دولة.

وأشار التعليق إلى عدم وجود سلطة للمحكمة الجنائية الدولية في الوقت الراهن على إسرائيل إو فلسطين، لأنهما لم تنضما إلى تشريع تلك المحكمة. وكانت إسرائيل قررت عدم الانضمام إلى عضوية المحكمة بدافع من خوفها من التعرّض لاتهامات محتمَلة بارتكاب جرائم حرب. أما فلسطين التي كان في وسعها الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية منذ حصولها على صفة مراقب في الأمم المتحدة سنة 2012، فقد هددت بالانضمام إلى المحكمة على الرغم من أنها تبدو مترددة في القيام بتلك الخطوة، خشية فقدانها لورقة مساومة سياسية.

معارضة أوروبا وأميركا

وفي حال انضمام فلسطين إلى المحكمة سوف يكون للأخيرة سلطة التحقيق في جرائم ارتكبت من جانب كل الأطراف في أرض فلسطين التي تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة، بغض النظر عن عدم عضوية إسرائيل في هذه المحكمة. ولكن المشكلة تكمن في معارضة أوروبا والولايات المتحدة لهذه الخطوة. وبالنسبة الى الولايات المتحدة، فإن الأمر ليس مفاجئاً، لأنها ليست عضواً في المحكمة، ولكن من غير المفهوم أن تتخذ الدول الأوروبية الأعضاء والاتحاد الأوروبي ككل مثل هذا الموقف.

والاتحاد الأوروبي مؤيد قوي للمحكمة الجنائية الدولية، وهو يستخدم اتفاقاته التجارية والتنموية من أجل تشجيع الدول الأخرى على الانضمام اليها، وقد سحب مساعداته من دول رفضت التعاون معها، ولكن مسؤولي الاتحاد الأوروبي، وفي تناقض صارخ إزاء مواقفهم من نزاعات أخرى، وفي انتهاك لالتزام الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية لتحسين السمة العالمية لقانون روما، عمدوا إلى مطالبة فلسطين «بضرورة استخدام وضعها في منظمة الأمم المتحدة بصورة بناءة، وعدم القيام بخطوات تفضي إلى الابتعاد عن حل تفاوضي». وكانت هذه الرسالة واضحة، وهي تدعو الى الامتناع عن فكرة الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية.

جرائم الحرب

وقال التعليق إن أوروبا عليها دعم محاولة فلسطين الانضمام الى المحكمة الجنائية الدولية، لأن سلطة تلك المحكمة قد تصبح قوة الردع النهائية التي تكسر دورة العنف. كما يمكن أن تضمن تحميل اسرائيل وفلسطين مسؤولية جرائم الحرب في المستقبل. وبعد عقود من الحصانة والإفلات من المساءلة وعدم تقديم تعويضات عن الجرائم التي ارتكبت – بما في ذلك الإطلاق العشوائي للصواريخ وقصف المدنيين واستهداف المشافي والمدارس – قد يردع الانضمام الى المحكمة الجنائية الدولية أسوأ أشكال العنف في هذا الصراع.

والسؤال هو: هل تستمر حركة حماس في إطلاق الصواريخ على إسرائيل أو تمكين رجال الميليشيات من الاختباء في المدارس إذا كانت تعلم أن قادتها سوف يتعرضون للمحاكمة؟ وهل تعمد إسرائيل إلى قصف المستشفيات بالقنابل أو إلى قتل الأطفال لو أنها تعلم أن قادتها سوف يواجهون عقوبة السجن في لاهاي؟

قد تشكل المحكمة الجنائية الدولية العنصر الذي يغير قواعد اللعبة في منع أو تحقيق إعادة رسم دراماتيكية لديناميكية أي نزاع مستقبلي. ومن خلال التلويح بعواقب قانونية جدية وخطيرة بحق أولئك الذين يرتكبون جرائم حرب، فإنها سوف تشجّع الجانبين على الاستمرار في المفاوضات.

الحد من التوسّع الاستيطاني

والأكثر من ذلك أن انضمام الفلسطينيين إلى المحكمة الجنائية الدولية سوف يدفع إسرائيل الى النظر بعناية واهتمام الى مسألة الاستمرار في توسيع المستوطنات، لأن قانون المحكمة يحدد على شكل جريمة حرب «قيام قوة احتلال بصورة مباشرة أو غير مباشرة بنقل أجزاء من سكانها المدنيين الى الأراضي التي تحتلها»، وهو ما ينطبق على نشاط إسرائيل الاستيطاني.
ويتعيَّن على أوروبا ألا تقلق من فكرة أن انضمام فلسطين الى المحكمة الجنائية الدولية قد يشكل عقبة أمام محادثات السلام. والعكس هو الصحيح، لأن ذلك هو ما تدعو الحاجة إليه من أجل بناء الثقة وتشجيع التعاون بين الجانبين. ولم تشهد العقود القليلة الماضية أي تقدم لافت في محادثات السلام بسبب الافتقار الى آلية المساءلة على وجه التحديد. وقد مرت الانتهاكات المتكررة للقوانين الإنسانية الدولية من دون عقاب، ما أفضى إلى انهيار الثقة، وإلى رفض التفاوض بنية حسنة وصادقة.

وأضاف التعليق: إن الإسهام الأفضل الذي يمكن للأوروبيين تقديمه لتحقيق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين يتمثل في التخلي عن نفاقهم وتشجيع فلسطين على الانضمام الى المحكمة الجنائية الدولية.

وخلص تعليق بيلاي إى القول إنه في الوقت الذي يناقش فيه القادة الفلسطينيون مسألة الانضمام الى المحكمة الجنائية الدولية، فإن المشاركة الأوروبية البناءة يمكن أن تشكّل فارقاً في هذا الصدد. ومن خلال الكف عن المعارضة يمكن إرسال إشارة واضحة بوجوب وضع نهاية للحصانة، وبذلك تتعزز فرص النجاح في محادثات السلام في المستقبل.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *