الرئيسية » قضايا وآراء » ماجد الشيخ : التجربة التونسية على محك مواجهة النكوص

ماجد الشيخ : التجربة التونسية على محك مواجهة النكوص

ماجد الشيخ
ماجد الشيخ

تحيلنا التجربة التونسية الراهنة، ما بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة، بنتائجها، ربما غير المتوقعة، إلى ما كاد يُنسى عربياً، في غمرة ما بات يغمرنا به «الدواعش» من أخطار التفتيت والتذرير، ومعاداة السياسة والرأي الآخر، والعمل السياسي السلمي، واحترام الآخر، وتدمير دور الدولة والأحزاب، وقوى المجتمع المدني في الحياة العامة. إلى جانب ما باتت تغمرنا به الأنظمة الاستبدادية والطغيانية والأحزاب والتنظيمات الشمولية، من أخطار، لا تقل عن أخطار «الدواعش»، في سلوكياتهم وأخلاقياتهم الأكثر اهتراء وتمييعاً واستهتاراً بكل شيء، وفي مقدمة ذلك الحياة نفسها، بمعنى من المعاني، حين يجري تعهير كل شيء، لا يبقى من قيمة لأي شيء يدّعيه أصحاب السلطة، من ذوي الياقات والقبعات والعمائم، من قيم ومبادئ وأخلاقيات تنتقل، وقد انتقلت مع أمثالهم إلى حيز الكان، كما إلى حيز الآن، أو ما سيكون يوماً في مستقبل صادره ويصادره الماضي، وهو يجدد مواضيه على الدوام، بنكوص ما بعده إلا النكوص.

  نسينا في غمرة تحولات الربيع العربي، وفي ظل سطوة وسيطرة قوى العسكرة، وقوى التضاد والتصادم مع التاريخ، ومع المستقبل، ومع ثقافة التنوير والحداثة والمعاصرة، ومع علمانية العلم والسياسة والثقافة، ومع قيم الحق والنزاهة والعدالة والقضاء والدساتير والقوانين، وثقافة المواطنة؛ نسينا أن الديمقراطية الحقيقية هي الأب الشرعي لكل هذه الأقانيم، التي تجعل من الإنسان إنساناً، في نطاقه وحيزه المكاني والزماني.

  نسينا وننسى أن الانتخابات، ككل عملية انتخابية، وقد تحوّلت على أيدي المرتهنين لنطاقات المصالح الخاصة، والسلطة المهووسة بدكتاتورية الرأي الواحد، المجنونة بـ «رأسمالها الرمزي»، وهو يتحول إلى رأسمال فعلي؛ قيمته السلطة ولا شيء غير السلطة، وإلا فالديمقراطية باطلة، والعملية الانتخابية زائفة ايضاً، حين تتحول إلى عملية شكلانية، لا وجود فيها للانتخاب ولا للاقتراع، حيث الدعوة لتشكيل القوائم من لدن البعض الذي يتحول إلى ناخب ومقترع أول، عمن لا يمتلكون سوى بيع أصواتهم، أو رهنها مقابل القليل من «وسخ المال» و»كراتين الإعاشة»، وارتهانهم لمفاتيح لا تفتح سوى مغاليق التزوير، وصناديق لا تحتوي إلا على تلك الأوراق التي أريدَ لها أن تنزل في الصناديق كما قرر «البص» السياسي أو المالي أو الحزبي، الذي تحول، بقدرة قادر، إلى زعيم سياسي «لا يشق له غبار».

 لهذا ليس كثيراً على تونس أن امتلكت تجربة الريادة في الثورة، وها هي تمتلك تجربة الريادة في انتخابات حقيقية، نتمنى لها أن تمضي على الدرب الذي تخطه لنفسها، عبر ما أرادته ويريده أصحاب المصلحة الحقيقية في تقدم وتطور تونس، والتجربة التونسية التي استحقت وتستحق اسمها كتجربة رائدة، أحرى بالناس ذوي المصلحة، حمايتها من غول النكوص والتراجع، أو قتلها في مهدها، حيث القوى المتربِّصة سوف تعمل ليل نهار من أجل اغتيالها، والعودة بتونس إلى ماضٍ لا يتمنى أي إنسان عاقل أن تعود إليه، من حكم المستبد غير العادل، أو حكم سلالات الإقطاع العائلي الذين استمرأوا للناس أن يكونوا عبيدهم، أو حكم من لا عقل أو حكمة لديهم، وهم يؤسسون لشرائع غاب يرذلها الدين، وهي بالأصل لا تمت إلى أي دين أو أي شرع بصلة.

 هي الدولة مرة أخرى بالديمقراطية تنتصر على السلطة، كما انتصرت الثورة من قبل على السلطة، وها هي بالديمقراطية، لا بغيرها، استحقت الدولة وتستحق من يحميها ويدافع عنها في مواجهة تشكيلة من الأخطار التي يحملها مشروع قوى «الإسلام السياسي»، الذي تحول إلى مشروعات متراكبة، جميعها يعادي الدولة، وهو يسعى حثيثاً للهيمنة على السلطة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *