الرئيسية » قضايا وآراء » محمد جاد : العرض مستمر

محمد جاد : العرض مستمر

محمد جاد
محمد جاد

في حالات الصخب الفارغ والتهليل المزعج بهدف صم الآذان، وإخراس الألسن التي تتعارض مع رؤية أصحابها ورؤية منصات الأجهزة الرسمية للدولة، المتمثلة في الفضائيات ووسائل الإعلام المختلفة ــ أصبح الأمر بالأساس يعتمد على الفضائيات الخاصة برجال الأعمال والمستثمرين ــ نعود إلى زمن الوعود الاستعراضية بمشروعات كونية ستكون قادرة على حل جميع المشكلات التي تعاني منها مصر. لتبدأ النخبة في القيام بدور «مندوب المبيعات» للشعب، المعلقة رقبته بجهاز التلفزيون، في كل بيت ومقهى وكافيتريا، وصولاً إلى البارات، حتى لا ينفصل أصحابها عن الواقع تماماً، ونحن في لحظة تاريخية فارقة، ككل لحظات تاريخنا المجيد. وبينما يبدو الأمر كفيلم تم التحضير له بمهارة، واحتساب كل صغيرة وكبيرة، حتى لا يفاجأ أحد ــ خاصة المُخرج ــ بأي شيء يخرج عن السيطرة، خاصة وقت التصوير، الذي ما إن بدأ وصفق الجميع لحبكة الحكاية وتجسيد صراعها المزعوم، حتى يأتي الخطأ غير المقصود ــ حركة لم يُحسب حسابها ــ يقوم بها أحد الكومبارسات ــ في الأغلب كومبارس صامت ــ ستلمحه الكاميرا وهو يبتسم أمامها ابتسامة بلهاء، كحال القطيع الذي يقف بينهم، مُعبّراً عن حالة السعادة التي تعم جموع الشعب السعيد. إلا أن الرجل/ الكومبارس انفصل رغماً عنه عن المشهد، وسَرَح في طريق عودته إلى بيته، بعد انطفاء الأضواء وانفضاض الجميع عن الاحتفال الموهوم. سيعود لبيت متهالك، في إحدى الحواري الضيقة، يحتلها الباعة والعاطلون من الجيران. فكر الكومبارس أيضاً في علبة سجائره التي لم يتبقَّ بها سوى سيجارتين، لن تكفياه رحلة العودة. فكر في أم وفتاة تنتظرانه ــ لا ينتفي هذا وتعلق رقبتيهما بصندوق العجائب بالبيت ــ كان حشد القطيع يقف ليملأ مساحة شاسعة أراد المخرج أن يُظهر من خلالها قدراته في السيطرة على المجاميع وحركتها. المساحة شاسعة، والشمس تضرب الجميع ــ لا خوف على المخرج الذي يرتدي كاباً يقيه نظرة انتظارها ــ وبينما الرجل الكومبارس يتحرّك وفق التعليمات، تأتي لحظة حظه أسفل لوحة إعلانات كبيرة، ليرميه ربه بإشارة الظِل، هنا تنفَّس الرجل، وارتفع ببصره أكثر من المسموح له ــ الارتفاع المسموح به لمشاهدة صندوق العجائب فقط ــ هنا صعد الرجل، بعدما سقطت عنه صفة الكومبارس لوحة الإعلانات، ليصبح أعلى من الجميع غير المنتبهين، والواقفين على أعتاب أعصابهم، خشية غضب السيد المخرج، والطرد من رحمته. صعد الرجل ليلف حبلاً فوق عنقه، وللمرّة الأولى ينظر إلى الجميع من أعلى، مرسلاً روحه إلى خالقه، ربما تجد مكاناً يليق بها. بالتأكيد سيلحظ السيد المخرج فعلة الرجل، لكنه كسر القواعد، فلا يهم وجوده من عدمه، وقد خرج من مجال الرحمة، ولم يزل قطيع المصفقين على وقفتهم في انتظار كلمة النهاية.

(من وحي حوادث الانتحار المُتكررة في الآونة الأخيرة، خاصة حادثة الشاب «فرج رزق»، الذي قام بشنق نفسه بلوحة إعلانات بطريق مصر الإسماعيلية الصحراوي، بسبب تسريحه وبعض رفاقه عن العمل).

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *