الرئيسية » آخر الأخبار » هل أصبح تنويع مصادر الدخل أضغاث أحلام؟!

هل أصبح تنويع مصادر الدخل أضغاث أحلام؟!

الكويت مقبلة على العجز المالي لا محالة.. إذا لم تسارع لإيجاد مصادر دخل جديدة
الكويت مقبلة على العجز المالي لا محالة.. إذا لم تسارع لإيجاد مصادر دخل جديدة

كتب محرر الشؤون الاقتصادية:
أكثر من 75 عاماً مضت على إنتاج النفط في الكويت، وتقريباً منذ منتصف هذه الفترة والحديث دائر عن تنويع مصادر الدخل، ولكن لم تهتم الحكومات المتتالية بهذه القضية، حتى في الفترات التي تراجعت فيها أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة، وكأن الكويت ستظل في مأمن من العجز المالي طوال الدهر، ولم تضع هذه الحكومات احتمالات تراجع أسعار النفط، أو نضوب المخزون النفطي على المدى البعيد، والزيادات المستمرة في أعداد السكان، وارتفاع الإنفاق.

واليوم، وبعد تراجع أسعار النفط إلى مستويات مقلقة، بدأ مسؤولون في الحكومة يرددون مجدداً شعارات تنويع مصادر الدخل القومي وتنويع الإيرادات، ولكن يبدو أن هذا الأمر تحول إلى أضغاث أحلام من الصعب تحقيقه، ولو بمعدلات متواضعة، في ظل الأداء المتواضع للحكومات المتعاقبة.

حديث هؤلاء عن تنويع مصادر الدخل، يأتي والكويت على بعد مرمى حجر من تحقيق العجز المالي، وكأن هذا التنويع من الممكن أن يحدث بين ليلة وضحاها، ولا يحتاج إلى عشرات السنين، فما فشلت الكويت في تحقيقه على مدى 75 عاماً، وهي تنتج النفط وتنعم باستقرار سياسي، يبدو من الصعب أن تحققه الآن في ظل ما تعيشه البلاد منذ سنوات من تردٍّ وترهُّل في كل المجالات، وفي ظل توقعات بعجز مالي بعد سنوات قليلة من الآن تعد على أصابع اليد الواحدة، ورغم هذا كله نؤكد أننا لسنا دعاة يأس، ولكن هذه هي الحقيقة التي يجب أن نواجهها، فما كان يمكن أن يتم سابقاً بخطوات ومعدلات سير طبيعية، أصبح اليوم تحقيقه يحتاج إلى قدرات استثنائية، وخطوات غير اعتيادية، تكون متسارعة جداً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

مفاهيم مغلوطة

إن الأمر بات يستلزم تحركاً سريعاً في قضية تنويع مصادر الدخل، ولا نعتمد على الإحصائيات التي نُقلت عن صندوق النقد الدولي، التي تؤكد أن الكويت في مأمن ولن تصل إلى العجز المالي حتى وإن انخفضت أسعار النفط إلى 52 دولارا للبرميل، لنضيّع مزيدا من الوقت ونعتمد على هذه الإحصائيات في تضييع سنوات أخرى تضاف إلى السنوات التي ضاعت دون تحقيق أي تقدّم، فالمؤكد أن هذه معلومات تبدو لأي شخص غير منطقية، ومع تسليمنا بأن صندوق النقد الدولي جهة اقتصادية كبيرة ومتخصصة، ولكن من الواضح أن هناك لبساً في الأمور، أو أن الأمر لم يتم بحسابات منطقية، فذات الإحصائيات التي استخدمت في حساب هذا الأمر، لو دققنا بها جيداً لتأكدنا أن هناك عجزاً في الميزانية، والدليل ما أشارت إليه هذه الإحصائية من الاعتماد على دخل الأموال المستثمرة في الخارج، لتغطية عجز يتراوح بين 4 و5 مليارات دينار.

أبعاد سياسية

ويبدو أن هذه الإحصائية الصادرة عن صندوق النقد لها أبعاد سياسية، وقد سبق أن قلنا أكثر من مرة إن بعض إحصائيات الصندوق تكون لها توجهات سياسية، فقد كان صندوق النقد يحذّر دائماً من عجز الميزانية، على الرغم من أن أسعار النفط كانت حينها فوق الـ 100 دولار للبرميل، واليوم وبعد تراجعها إلى مستويات الـ 80 دولاراً للبرميل تخرج هذه الإحصائيات لتؤكد أن الكويت في مأمن، حتى لو تراجعت أسعار النفط إلى 52 دولاراً للبرميل، فلماذا تبدل هذا الكلام الآن؟

من الواضح أن الأمر له علاقة بتوجهات الكويت نحو إلغاء الدعومات على الديزل والكهرباء والماء والبنزين، فمنذ زمن يشير الصندوق إلى هذا الأمر، وكان يحذر الكويت من العجز إذا استمرت هذه السياسية في الدعم – بالاضافة إلى زيادة المرتبات- مع أن أسعار النفط في ذلك الوقت كانت مرتفعة، أما اليوم، وبعد أن اتبعت الكويت تعليمات الصندوق، نرى تأكيدات أن الكويت لن تصل إلى العجز المالي، حتى لو تهاوت أسعار النفط أكثر وأكثر، وهذا تزييف للحقيقة، فاللجوء إلى الأموال المستثمرة في الخارج يعني فعلياً الوصول إلى العجز المالي، ويعني عجز الكويت عن تحويل أموال جديدة إلى صندوق الأجيال القادمة (نسبة 25 في المئه من دخل النفط). كما أن أسعار النفط من الممكن أن تتدهور أكثر فأكثر، ومع السحب من صندوق الأجيال القادمة، فإننا يمكن أن نستنزف الاحتياطيات المالية في سنوات معدودة، فهذه الاحتياطيات محددة كما احتياطيات النفط، يضاف إلى ذلك أن الإنفاق في الميزانية يزداد عاماً بعد آخر، فمعدل نمو الإنفاق العام يصل إلى 10 في المئة سنوياً، أي يتضاعف كل عشرة أعوام، ولكن في الأعوام العشرة الأخيرة تضاعف بنسبة 450 في المائة من 5.5 مليارات دينار إلى 21.7 ملياراً، والتقديرات تشير إلى أن الإنفاق من المتوقع أن يصل إلى 30 مليار دينار (تعادل ما يقرب من 106 مليارات دولار) خلال عامين أو ثلاثة أعوام (وفق إحصائيات صندوق النقد أيضاً).

تهديد الوضع المالي

وعلى الرغم من التأكيدات المستمرة أن الكويت مازالت تتمتع بمركز مالي مريح، حتى إذا تمت مقارنتها مع نظرائها من الدول الخليجية الغنية بالنفط مثلها، لكن في ظل الوضع الحالي الذي نعيشه، والارتفاع المستمر في المصروفات، وعدم القدرة على تنويع مصادر الدخل، فإننا بلا شك أمام تهديد للمستقبل المالي للدولة، على المديين المتوسط والبعيد، وأمام تهديد خطير باستهلاك كل الفوائض المالية التي تحققت، لو تراجعت أسعار النفط أكثر من المستويات الحالية.

ولا شك أن تراجع أسعار النفط الذي حدث خلال الفترة الماضية، ربما يكون جرس إنذار أخير لنا، لنتخذ خطوات جادة في تنويع مصادر الدخل، لحماية الكويت من تقلبات أسواق النفط، كذلك لابد من تطوير البنية التحتية، وخلق تنافسية في سوق العمل، ولجم الإنفاق والهدر غير المبرر في وزارات ومؤسسات الدولة، قبل أن نجد أنفسنا في مواجهة العجز المالي.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *