الرئيسية » شيخة البهاويد » شيخة البهاويد : سلطان الأباريق

شيخة البهاويد : سلطان الأباريق

شيخة البهاويد
شيخة البهاويد

يحكى في «الحزاوي» أنه في الأزمنة الغابرة في إحدى المدن القديمة، كان هناك حمام عمومي، يلجأ إليه الأهالي «لتلبية نداء الطبيعة», وأمام باب الحمام كان يجلس أحد العاملين, وظيفته هي تسليم الزبائن الداخلين أباريق الاغتسال.

وفي أحد الأيام جاء أحد الزبائن «مزنوقاً» على الآخر، جرى نحو باب الحمام، وسحب أحد الأباريق بنفسه ودخل مسرعاً، فناداه العامل عند الباب معترضاً «أنت, إذا سمحت, أرجع هذا الإبريق, خذ هذا بدلاَ منه», ولأن الزبون كان في وضع لا يُحسد عليه، وليس في موقف يمكنه فيه النقاش والجدال, أعاد الإبريق للعامل وأخذ الآخر بدلاً منه، وجرى إلى الداخل.

حين خرج الزبون مرتاحاً «فاكاً زنقته» مستعيداً توازنه, أرجع الإبريق للعامل، وسأله «أخذت الإبريق للاغتسال فلماذا أعدتني لأخذ غيره؟ ما الفرق بين الأباريق؟», اعتدل العامل في جلسته, ووضع رجلاً على رجل، قائلاً: «لو أخذ كل زبون إبريقه بنفسه، فما فائدة عملي أنا هنا؟» ومنذ ذلك اليوم صار الجميع ينادي العامل بـ»سلطان الأباريق» !

إن سلطان الأباريق هو نموذج الموظف الذي لا قيمة حقيقية لعمله, لا أهمية فعلية له, ويمكن الاستغناء عنه ببساطة، ولأنه يعلم ذلك يصطنع إجراءات لا اعتبار لها لوضع اعتبار له.

في الكويت, وقبل عطلة عيد الأضحى الماضية ككل عام، يغيب آلاف الموظفين عن عملهم قبل العطلة الرسمية وبعدها بأعذار طبية أو دونها, آلاف الموظفين لا يتواجدون على رأس عملهم دون أن تتأثر الدولة أو تتعطل مصالحها، أو يشكل ذلك لها خسائر كبيرة, ودون أن تسأل الدولة نفسها: ما نفع كل هؤلاء؟ وما القيمة المستجداة من عملهم مادام غيابهم ليس له تأثير كبير؟

معظم هؤلاء الموظفين يقومون بعمل «إكسترا بيروقراطي» تتفنن الحكومة بابتكار إجراءات تعيّن على أساسها موظفين حتى تغطي عجزها عن ايجاد فرص عمل حقيقية للمواطنين، من خلال إنشاء مشاريع تنموية, ولو كنت مواطناً يقوم بإتمام معاملاته في أروقة المؤسسات الحكومية، فستكتشف أن عشرات الموظفين من الممكن الاستغناء عنهم واستبدالهم بكبسة زر واحدة إن لم تكن لمسة شاشة فقط بفضل التقنيات الحديثة.

نعم الحكومة ملزمة بتوفير فرص عمل، والقضاء على البطالة, لكن على ألا يكون ذلك من خلال تصنيع «سلاطين أباريق» لا يقدّمون في الواقع إضافة حقيقية سوى تعطيل الناس بدلاً من تسيير أمورهم, البطالة المقنعة التي يعاني منها المواطن اليوم ليست سوى تعطيل لقدراته الحقيقية التي من الممكن أن يستفاد منها في موقع وظيفي آخر يناسب إمكاناته.

هناك قطاعات كالقطاع النفطي والطبي لا تكون فيه نسب الغياب عن العمل عالية جداً قبل أوقات الإجازات الرسمية كبقية القطاعات، أحد الأسباب أن العاملين في هذين القطاعين (على سبيل المثال لا الحصر) يقومون بأعمال لها عائد نفعي واضح، لا مجرد إجراءات مماطلة تحسب على أنها عمل, ولو ارتفعت نسبة التوقف عن العمل في هذين القطاعين فسيكون تأثير ذلك والخسائر التي تتكبدها الدولة والأفراد واضحة جداً وسريعة!

إنني هنا لا أذمّ أصحاب الوظائف البسيطة إطلاقاً، وليسوا هم المقصودين البتة, المقصود هو ذلك المكتب الذي يعج بستين موظفاً لا يعمل منهم إلا واحد، لأن حاجة العمل الحقيقية هي له فقط، بينما يمضي البقية يومهم على غرار «اترك هذا الإبريق وخذ ذاك»!

المواطن يحتاج أن يعمل لينمو، ليتعلم، ليقدم شيئاً، لا ليتحول من عاطل إلى معطِّل كما يقول جلال عامر, ولا لتتخلص الدولة من مسؤوليتها تجاهه باسم التوظيف أياً كان المسمى، وأياً كان نوع العمل وقيمته.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *