الرئيسية » قضايا وآراء » ناصر العطار : محسودون!

ناصر العطار : محسودون!

ناصر العطار
ناصر العطار

أكتب هذا المقال، ولا أرجو ممن يتفضّل بقراءته إلا سعة في الصدر، تتيح لي أن أبدي وجهة نظري، التي قد يجانبها الصواب.

نحن في هذا البلد على النطاق المؤسساتي والاجتماعي كثيراً ما نتناول أمر الحسد بخشية تصل إلى حد الهلع، ونتصوره سبباً رئيسياً في تراجع أحوالنا وتأخرها، بل ونعتقد أننا نقع تحت عيون الحاسد من كل حدب وصوب، متناسين ببساطة أساس ما فعلناه نحن بأنفسنا، وحقيقة أحوالنا الحالية، وما إذا كانت تستدعي الحسد فعلاً، لكن قبل أن أتذكر الأفعال والأحوال أسأل ذوي العقول البصيرة هل من الممكن أن يُبنى البلد وينطلق كالسهم الصاعد منذ بداية الحياة الدستورية وحتى من قبلها لو كان أهلها يخشون من الحسد؟ كيف يستطيع كل من المواطنة والمواطن التفكير في بلدهما باختراع أو اختيار الحلول المناسبة لتجاوز العقبات والمشاكل لو سيطرت على مخيلتهما أنهما محسودان ولا مفر مما هما فيه إلا باللجوء إلى أفكار غير واقعية؟ وما هي وسائل استنهاض بلد يظن نفسه أنه محسود؟ وما هي إجراءات حمايته من الحسد، لو صح ظنه؟

لو عدنا إلى أصل حكاية التراجع والتأخر فمن الصعب أن نجد الحسد من بين العوامل التي أدت بالبلد إلى ما هو عليه الآن، فعلى سبيل المثال هل كان الحسد وراء انحراف البلد عن مسارها الطبيعي، أم تزوير انتخابات عام ٦٧ وحل مجلس الأمة أكثر من مرة حلاً غير دستوري، والتجنيس السياسي وتعديل الدوائر عام ٨١ هي عوامل الانحراف عن المسار، التي صنعتها سياسات الحكومات المتعاقبة؟ مثال آخر تجسّده أزمة سوق المناخ الثانية، التي هزت البلد من أقصاه إلى أقصاه، لم يكن الحسد هو دافعها، بل وقعت لتحقيق أغراض سياسية بحتة هدفت إليها الحكومة، وقد نتجت عن هذه الأزمة اضطرابات اقتصادية واجتماعية واسعة، ربما تطمع بعض النفوس البشرية منا إلى تبوؤ المناصب وجني الأرباح بطرق ملتوية تتجاوز حقوق عامة الناس، لكن هذا التجاوز ينبغي التصدي له بأساليب عصرية تعطي كل الناس الحرية والثقة والفرص المتساوية وحق محاسبة المتجاوز، حتى لا نعالج الخطأ بالظن، فيستمر حالنا السيئ بلا تغيير، لأننا قيّدنا إرادتنا بسلاسل الخوف وحبال الرهبة، إن أغلب المجالات في البلد تعاني من فقر الإنجازات، فعلامَ نحن محسودون؟

لقد وصل بنا الحال إلى حد التناحر الطائفي وسحب الجنسية والاعتداء على الحرية، فعلامَ نحن محسودون؟ وإذا كانت حالات اجتماعية وصحية كالاكتئاب والطلاق والسمنة والعنف في ازدياد ملحوظ، فعلامَ نحن محسودون؟

أليس من الغريب أن نخشى الحسد وأجراس العجز المالي تدق في البلد، التي تدل على وجود عجز تنفيذي وتشريعي؟

نعم نحن نمتلك دستوراً قطعنا بواسطته أشواطاً واضحة من التقدّم، وباستطاعتنا أن نتقدّم أكثر، ومن يملك القدرة الذاتية على تحقيق الإنجاز يملك القدرة نفسها على صناعة التخريب، ما يعني أن مسؤولية تقدّم الأحوال أو خرابها تقع على عاتق الإنسان، منذ أن اكتسحت حياتنا ما تسمى بالصحوة الإسلامية في منتصف السبعينيات، ونحن مقيدون في ظنون غالباً ما نخشى مراجعتها وإعادة النظر فيها، وربما يأتي ظن الحسد في مقدمتها، والهوس بالخوف منه يعطل الإنسان عن التفكير العقلاني ويدفعه إلى اتهام الآخرين بتدميره، مما يحوّله من إنسان حر إلى إنسان سليب، وهذا حال أغلب بلداننا العربية المسلوبة إرادتها، التي انتظرت طويلاً حتى جاء الشباب بربيعهم على مستوى الأمة والعالم، فدفعوا كل ظن للمراجعة وإعادة النظر وأسقطوا الحواجز من أمام الحرية الفكرية، التي تعطي أملاً بالإصلاح السياسي.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *