الرئيسية » قضايا وآراء » ماجد الشيخ : فوضى التصورات والتهيؤات

ماجد الشيخ : فوضى التصورات والتهيؤات

ماجد الشيخ
ماجد الشيخ

الفوضى التدميرية غير الخلاقة، التي بلغتها الأوضاع العامة في بلادنا، جراء تمكن وتحكم «الدواعش» وأضرابهم، بمعطيات الواقع العربي الراهن، وتلاقي وتقاطع هذه الفوضى مع جبهة أو تشكيلة القوى الإقليمية والدولية المعادية لاستقرار وتطور وتقدم مجتمعاتنا ودولنا، ينذر بما هو أسوأ في القادم من أيام، وفي المستقبل المنظور وغير المنظور، ذلك أن ما تفتحه الصراعات المحلية الداخلية، من حروب أهلية مدمّرة، ومن دعم إقليمي ودولي، لن تكون أضرارها وتداعياتها، بتحالفاتها الراهنة السرية والمضمرة، فاتحة خير، لا على الصعيد السياسي المباشر أو غير المباشر، ولا على أي صعيد اقتصادي أو اجتماعي، ذلك أن الثمار المتوقعة ومهما تكن مآلات الصراع الراهن، لن تصبّ في مصلحة شعوبنا ومجتمعاتنا ودولنا العاجزة عن التصدي لأخطار الموجة الإسلاموية المتطرفة، وهي تأخذ زمام مبادرة التدمير والتفتيت والتجزيئ المكرر والمضاف، لواقع بلاد لم ترحمها اتفاقات «سايكس بيكو» يوماً، حين جرى قسمتها واقتسامها، وتجزئتها.

  ولكن «الدواعش» اليوم وبأفعالهم وارتكاباتهم، وباستدعائهم التدخلات الخارجية الإقليمية والدولية، جعلوا ويجعلون من بعض التدخلات جزءاً من الحروب الداخلية، كالتدخل والتداخل الإيراني وبعض قواه الملحقة وأدوارها المكملة لأفعال وارتكابات «الدواعش»، وهم يقومون بتصفية إرث وتراث المنطقة الحضاري المتعدد والمتنوع، غير عابئين بخلق كيانات ودويلات طوائفية متمذهبة، إسرائيل في وسطها كيان إمبريالي يرتع ويتمتع بحماية وإسناد إمبريالية عالمية، لها مصالحها الإستراتيجية الأوسع في هذه المنطقة، المبتلاة بقوى كوزموبوليتية دينية وغير دينية، تقود إرهاباً واستبداداً متطرفاً باسم جهاد يجاهد ضد نفسه، وشريعة لا يشهد لها غير أنها شرع الأفراد والفقهاء والجماعات التي لا تنتمي إلا لفقه القلة لا الجماعة، ولا إجماع على شرعها وشريعتها.

  بهذا المعنى تضحي «إسرائيل الكيان الأكثر مشروعية»، والأكثر تبريراً لقيامها على أسس عقيدية دينية، كونها «الدولة اليهودية» أو «دولة اليهود»، في الوقت الذي يسعى بعض العرب المتأسلمين لنفي هويتنا الوطنية العربية في إطارها القومي الجامع، وتأكيد حضور ما يسمى «دولة الخلافة» أي «دولة متأسلمة» لا إجماع عليها، ولا إيمان بها لدى مسلمين عرب، لا يدينون بتدين «الدواعش» ولا يؤمنون بأسطرة ويوتوبيا الشرع الذي يغب من دواخل وبدوافع أشخاص غير عقلاء، غادرتهم الحكمة منذ أزمان، وهم يشوّهون صورة الدين، ويحمّلون الدين ما لا يحتمل من تشويهات يرفضها العقلاء من المتدينين غير التنويريين حتى.

  في معمعان الحضور الدولي ومن خلفه الإقليمي – لا العكس – تحضر صورة الحماة الاستعماريين أيام الاستعمار الكولونيالي، لحماية بلادنا من بعض أهلها، ومن بعض المتدخلين والمتداخلين من جيراننا، حتى بات الصراع في بلادنا وعليها، واحد من صراعات يبدو ألاّ إمكانية لإنهائها، قبل مرور عقود أو قرون من الزمان، سوف تشهد المزيد من ارتكابات فظائع الذبح والتذابح، مما يندى لها جبين الإنسانية، صراعات على هوية غير متبلورة ولا واضحة، وتحت شعارات خاطئة، بل مغرقة في الخطيئة والخطايا التي يتبرأ منها الإنسان والعقل والمنطق، وقد وجدنا ونجد في سياقات الصراعات الدينية، أو التي تدعي انتماءها إلى هذا المجال، أن هناك من اعتزل العقل والمنطق، وجار حتى على إنسانيته حتى تبرأ منها، واختزل المسألة كلها في المنافحة عن هوية مفترضة مزعومة ومدّعاة.. هوية تعيش في خيال يختزل الكون كله في هوية صغرى، لا يرى أصحابها، سوى هوية واحدة، قاصرة ومقتصرة على تصوراتهم وتهيؤاتهم الدينية الواحدة والوحيدة، في كون متعدد التصورات والتهيؤات والهويات المتنوعة والمتعددة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *