الرئيسية » محليات » هكذا أصبح التبرع لغزة جريمة.. والاتهامات توجَّه جزافاً

هكذا أصبح التبرع لغزة جريمة.. والاتهامات توجَّه جزافاً

الطبيب النرويجي مادس فريدريك جيلبرت
الطبيب النرويجي مادس فريدريك جيلبرت

محمد الغربللي:
«جيلبرت في غزة».. هذا عنوان الفيلم القصير عن الطبيب النرويجي مادس فريدريك جيلبرت، الذي ترك قسم الطوارئ في أحد المستشفيات النرويجية، كما ترك وظيفته كأستاذ في جامعة ترمسو في النرويج وغادر إلى غزة خلال العداون الإسرائيلي الهمجي الأخير عليها.. بالطبع لم يدخل غزة عن طريق معبر رفح، فهو مغلق بالضبّة والمفتاح أمام أي داخل أو خارج، بل دخل عن طريق أحد المعابر الإسرائيلية مع قطاع غزة، وباشر عمله كونه مختصاً بحالات الطوارئ، نوع من «الإدارة المتكاملة» في مستشفى غزة الذي يتلقى منذ اليوم الأول الجرحى، وهم على شفا الموت، أو الذين وصلوا شهداء إلى المستشفيات.. الطبيب كان يعمل بلا كلل.. في هذا الفيلم القصير يتحدث جلبرت، ليس بكلمات على اللسان، بل من أعماق قلبه.. يتحدث بإيماءات وجهه وتعابيره عما شاهده هناك، بل عما عاشه يومياً خلال العدوان الإسرائيلي المجرم على غزة.. يصف في هذا الفيلم التدمير الممنهج للمنازل والمستشفيات والمدارس والمساجد، الذي قامت به إسرائيل في غزة طوال خمسين يوماً.. يتحدث عن مئات القتلى من الأطفال الذين يظهرهم الفيلم ملفوفين بالأكفان الخضراء أو الصفراء، ووجوههم البريئة تطل منها.

كذبة إسرائيل

يقول جيلبرت في هذا الفيلم إنها «كذبة إسرائيلية كبرى يتجرّعها العالم الغربي بأن حربهم هي دفاع عن النفس، إنها كذبة صارخة يتغالفها العالم، كيف تدافع عن نفسك وأنت تحتل شعباً ما، له هو الحق في الدفاع عن نفسه بكل الوسائل وليس الادعاء الإسرائيلي الكاذب».. يرى جيلبرت أن الأوضاع ستستمر حتى لو توقفت بين زمن وآخر، ما لم تتم إزالة الحصار ووقف العدوان الإسرائيلي وبناء دولة فلسطينية ضمن المنظومة الدولية.. ويقول إنه تعلّم روح التضحية والعطاء ممن عمل معهم من الأطباء والمسعفين، الذين يعملون ليل نهار دون كلل أو تعب.. هؤلاء لم يتلقوا رواتبهم منذ 4 أشهر، ولكنهم يعطون دروساً في التفاني والتضحية.

ذخيرة غزة

كيف ننسى غزة في تصديها للعدوان الهمجي الإسرائيلي طوال خمسين يوماً؟

تحركت تظاهرات في أميركا، وأميركا الجنوبية التي قطعت دول منها علاقاتها بالكيان الصهيوني، وتظاهرات أخرى في أكثر من دولة أوروبية، فرنسا منعت التظاهرة الأولى امتثالاً لمن ترتبط معهم بعقود تسليح من الدول العربية، فليس لدى الحكومة الفرنسية همّ سوى المال، بعدها سمحت بالتظاهرة الثانية، بعد أن رأت أعداد المتظاهرين في أكثر من عاصمة أوروبية..
وحده تنظيم داعش تظاهر في شمال العراق، بحرقه العلم الفلسطيني – هؤلاء الإرهابيون متقاربون في الأداء مع الاحتلال الصهيوني، مع اختلاف الأسماء.. تعاطف دولي شعبي كبير، هو ذخيرة متواصلة للصمود في غزة.

هند الصبيح
هند الصبيح

كتاب تجميد

الموضوع ليس عن د. جيلبرت في فيلمه القصير، وليس عن التظاهرات التي عمّت أكثر من عاصمة أوروبية وغير أوروبية، الموضوع عن الكويت بقصة تبرز هذا الجو المتصهين الذي بدأ يظهر في الدول العربية.. نتنياهو يتحدث بعد الحرب عن أن «إسرائيل كسبت صداقات جديدة لم يعلن عنها»، لا يتحدث عن مصر أو الأردن، فهي صداقات معلنة ومكشوفة، ولكنه أشار إلى صداقات دون تسمية.. الحكاية باختصار أن الخارجية الكويتية بعثت لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بكتاب تخطرهم به أن إحدى المبرات الخيرية ترسل تبرعات لغزة.. ياللهول! صرخت وزارة الشؤون وأرسلت مباشرة كتاباً رسمياً إلى أحد المصارف المحلية وطلبت منه تجميد حساب هذه المبرة، وبالفعل تم تجميد الحساب دون إخطار أو علم المبرة بهذا الإجراء.

المبرة الخيرية تعمل منذ عقود في الكويت، ومجال عملها في الهند تحديداً ليس بدفع أموال نقدية، بل بإقامة مصانع صغيرة يعمل بها الأيتام، وتطورت أعمالها لتنشئ كلية للطب منذ عدة سنوات يلتحق بها من يشاء دون محددات دينية أو مذهبية، كما أنها بنت مستشفى ومساجد بأسماء أصحابها من المتبرعين في أكثر من منطقة، هذه المبرة لم تجمع تبرعات بشكل مباشر من متبرعين، بل تأتيها توصيات من أطراف تعلم عنها تبرعاً أو هبات.. وهي لم ترسل فلساً واحداً إلى قطاع غزة، لا الآن ولا في السابق.. فليس ذلك ضمن نشاطها أو أعمالها.. وهي لا تخاف فيما لو كانت أرسلت مبالغ إلى القطاع من أن تذكر ذلك، ولكنها لا تعمل في هذا المجال.. ذهب مسؤولون في المبرة إلى وزارة الشؤون ونفى أحد العاملين صدور أي كتاب منهم بناء على تعليمات الخارجية بتجميد الحساب، لذا استوجب الأمر مراجعة المؤسسة المصرفية التي جمَّدت الحساب بعد نفي الشؤون قيامها بإصدار تعليمات بذلك.. ولم يكن للمؤسسة المصرفية إلا أن أبرزت لهم كتاب الشؤون الموقّع والقاضي بتجميد الحساب!

اتهام باطل

ما زال الحساب مجمداً حتى كتابة هذه السطور بانتظار إيضاح الأمر، فلقد تم توجيه اتهام لهذه المبرة -وهو اتهام باطل- بأنها ترسل أموالاً إلى غزة، هؤلاء الإرهابيين الذين يواجهون أبناء العم من الصهاينة المحتلين، عليهم الانكفاء والخنوع.. حالهم حال بعض الأنظمة العربية بعلاقاتها المباشرة أو المستترة مع الكيان الصهويني.. أصبح التبرع لغزة تهمة وجريمة تقضي باتخاذ إجراء حتى قبل التيقن والتمحيص بالاتهام.. ويتم اتخاذ إجراء مباشر بتجميد الحسابات حتى لو كانت تهمة غير قائمة على حقائق..

تخيّلوا الصورة مجدداً بين هذا الطبيب الذي أتى من أقصى الدول الأوروبية، كبعد جغرافي، واعتبار التبرع لشعب غزة الفلسطيني جريمة تستحق إيقافها وتجميد الحسابات المصرفية لمن يقوم بالتبرع.. وقد يكون حديث نتنياهو عن كسبه أصدقاء جدد ليس بعيداً عن الواقع.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *