الرئيسية » ثقافة » «بييرو المجنون» لـ «جان لوك جودار»: حضارة محكوم عليها بالفشل.. والرغبة في الانعتاق

«بييرو المجنون» لـ «جان لوك جودار»: حضارة محكوم عليها بالفشل.. والرغبة في الانعتاق

ملصق الفيلم
ملصق الفيلم

كتب محمد عبد الرحيم:
عُرض مؤخراً في «نادي سينما بيت الوادي»، التابع لمركز «بيت الوادي للدراسات والنشر»، الفيلم الفرنسي «بييرو المجنون» لـ «جان لوك جودار» الذي يعتبر من أهم رواد الموجة الجديدة منذ أفلامه الأولى وحتى عرض فيلمه «وداعاً للغة» بمهرجان «كان» الأخير، وكذلك الأكثر إثارة للجدل والتجديد في السينما على مستوى الشكل والمعنى. كما يُعد فيلمه «بييرو المجنون» Pierrot le fou 1965، من أسبق الأفلام التي تحوي أفكار جودار التي تتطور عبر الزمن، دون أن تتغيّر بنياتها الأولى.

الفيلم مأخوذ عن رواية لـ «ليونيل وايت» بعنوان «الهوس»، ومن بطولة جان بول بلموندو وآنا كارينا، وعُرض للمرّة الأولى بمهرجان فينيسيا في نفس عام إنتاجه، وتوج بجائزة الأسد الذهبي في المهرجان، كما حصل بطله جان بلموندو على جائزة البافتا البريطانية كأفضل ممثل.

الحكاية كإطار

لم تعتمد أفلام جودار على الحكاية في شكلها التقليدي، لكنها فقط إطاراً عاماً لوضع الشخصيات وتصرفاتها، التي في الغالب تبدو في حالة دائمة من رد الفعل على ما يُحيطها من أحداث وظواهر اجتماعية.

(فردينان/جان بلموندو) رجل ينتمي إلى عالم البورجوازية، يعمل في الإنتاج التليفزيوني، لديه زوجة وأطفال، وتبدو حياته من بعيد مُستقرة إلى حدٍّ كبير، يفقد وظيفته، فيتسرب إليه إحساس خفي بالحرية التي طالما راودته، فيجد الفرصة المناسبة لهجر حياته القديمة، فيهرب مع ماريان (آنا كارينا) صديقته السابقة، ويقررأن الذهاب إلى جنوب فرنسا والعيش في جزيرة صغيرة، ليبدو التناقض بين الشخصيتين رغم علاقة الحب القوية بينهما، ففردينان يحلم بتأليف رواية ويريد الذهاب إلى فينيسيا وأثينا كمنارات للفن، في مقابل ماريان التي تريد زيارة شيكاغو، الأمر هنا يخرج عن إطار الهرب من العالم، كرد فعل لسخط الشخصيات عليه ومحاولة الانتقام منه، وتحقيره ــ وفق رؤية جودار ــ بل هناك صراع حاد بين الشخصيتين منذ البداية، وهو ما يحتم النهاية الميلودرامية في موتهما بنهاية الأحداث، فهناك محاولة مستميتة للبحث عن السعادة، أياً كان الثمن، حالة من الغضب الكامن أحياناً والمُعلن في الكثير من التفاصيل بين الشخصيات، أو في مواجهة الآخرين، فجحيم «سارتر» هنا أصبح مُجسّداً في حالة حب مجنون.

الأسلوب وتفتيت زمن السرد

أهم ما يميز سينما جودار هو الأسلوب، حيث كان للدور النقدي الذي مارسه قبل أن يتحول للإخراج أثر كبير على طريقة البناء الفيلمي لديه، بداية من استخدام تكنيك المونتاج الجدلي كما في حالة «إيزنشتين»، أو تفضيله للقطة الطويلة التي نظر إليها «أندريه بازان» في مقالاته بكراسات السينما، واستشهد فيها بفيلم «المواطن كين» لأورسون ويلز.

الأمر هنا أيضاً يعدّ صراعاً لدى المخرج نفسه ما بين الاختيار في التنفيذ لم ينكره ولم يتخذه مسلمات نظرية، وهو ما يتضح في طريقة السرد، إضافة إلى التأثر بمسرح بريخت والنظرية الماركسية، فلم تعد هناك حبكة تقليدية للحكاية، ولم تعد هناك بداية ووسط ونهاية، بل أصرّ جودار على خلق مسافة بين الفيلم والمُشاهد حتى لا يتورّط الأخير عاطفياً، ويصدق كل ما يحدث، وذلك لتوفير مساحة لإعمال الذهن أكثر من العاطفة، المسألة التي حاربها جودار في شكل قتال دائم مع السينما الهوليوودية ومفرداتها التخديرية.

هناك عقل ناقد للمجتمع الرأسمالي، لابد من إحداث صدمات قاسية له عن طريق تكنيك التنفيذ الفيلمي، لتأتي استحداثات الخلط بين الأشكال الفيلمية المتعددة في الفيلم.. ما بين الفيلم نوار، وأفلام العصابات الأميركية من قتل ودماء، والإيحاء بالأسلوب السيريالي كما في أعمال بونويل، والتجريد في الشخصيات، التي تتحدث مباشرة أمام الكاميرا، وكأننا في فيلم وثائقي، إضافة إلى استعمال أساليب الكاميرا المحمولة والمُهتزة في أغلب الأحيان، كما ترى العين في الحياة العادية، لا توجد حالة من الثبات، وهو معادل عن نفسيات الشخصيات، وردود أفعالها، التي لم تكن سوى انعكاس لفعل اجتماعي أكبر وأكثر وحشية. يتخلل السرد الحديث عن الحروب القذرة.. كحرب فيتنام والجزائر، والطريق الدموي للدول الكبرى -الوعي بفرنسا كدولة استعمارية- فما بال الشخصيات الهَشة التي تبحث عن مُتنفس لها.

حالة الغضب هنا اجتماعية وسياسية في الوقت نفسه، وهو ما يجعل الفيلم صالحاً -ليس على مستوى القيمة الجمالية فقط- حتى الآن ليُعبّر عن المأساة التي يعيشها الجميع.

الأجناس الفنية

من ناحية أخرى يبدو تداخل الأجناس الفنية في الفيلم من لوحات موحية فوق الجدران، وأبنية لها دلالاتها الجمالية والتاريخية، إضافة إلى المقاطع الشعرية والقراءات السردية داخل العمل، حتى أن البطل بعد موته، يتردد صوته بمقطع لـ «رامبو»، قائلاً «لقد وجدتها.. الأبدية».. حالة البحث واللاجدوى هذه ستظلل تيمة مُتكررة كعنصر بنائي في معظم أفلام جودار، مع تباين درجة وضوحها، حالة بحث دائم عن الحرية في ظِل عالم محكوم بقوى أفسدت الروح الإنسانية، حتى نسي الإنسان نفسه، وأصبح أحد أدوات هذه القوى، رغم حُب جودار لشخصياته وإشفاقه عليها إلى حد التأسي، إلا أنها في النهاية نتاج حضارة محكوم عليها بالفشل، انتظاراً لبداية جديدة.. ربما!

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *