الرئيسية » عربي ودولي » في أعقاب عملية دهس نفَّذها شاب فلسطيني: نذر انتفاضة محلية في القدس قابلة للامتداد والاتساع

في أعقاب عملية دهس نفَّذها شاب فلسطيني: نذر انتفاضة محلية في القدس قابلة للامتداد والاتساع

كتب محرر الشؤون الدولية:
قبل أيام ارتسمت حال من الانتفاض في شوارع القدس، في أعقاب عملية الدهس، التي نفذها الشاب عبدالرحمن الشلودي (21 عاماَ)، وهو من سكان حي سلوان، وأصيب جراءها سبعة أشخاص في الهجوم، اثنان منهم جروحهما خطرة، فيما توفيت رضيعة إثر نقلها للمستشفى، وقد استشهد الشلودي متأثراً بجروحه بعد أن أطلق عليه شرطي إسرائيلي النار، وأوقفه حين كان يحاول الفرار راجلاً.

ولاحقاً، اندلعت اشتباكات عنيفة ليل الأربعاء الماضي في أحياء عدة في القدس، منها سلوان والعيسوية والطور ورأس العمود، وتم إلقاء الحجارة على خط القطار الخفيف في حي شعفاط من دون وقوع إصابات.

توعد إسرائيلي

 في أعقاب ذلك، توعد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو «بأقسى رد» ممكن على أي هجوم مستقبلي في القدس، وقال في بيان إن «القدس موحّدة، وكانت وستبقى دوماً العاصمة الأبدية لإسرائيل، وأي محاولة لإلحاق الأذى بسكانها ستقابَل بأقسى رد». وأضاف: «سنعيد الهدوء والأمان إلى القدس»، معتبراً أن المدينة «تتعرض إلى هجمة إرهابية.. وهذا الهجوم بدعم من رئيس السلطة الفلسطينية أبو مازن (محمود عباس) الذي يشيد بالقتلة، ويحتضن حركة حماس الإرهابية التي ينتمي إليها الإرهابيون».

وفيما «طمأن» وزير الأمن الداخلي الإسرائيليين بأن إسرائيل ليست على عتبة مواجهة انتفاضة جديدة، تعهّد القائد العام للشرطة يوحنان دنينو بأن يعيد الهدوء إلى القدس «خلال فترة قصيرة»، مضيفاً أنه أعطى تعليماته لأذرع الشرطة للتعاون مع النيابة العامة للتعامل بمنتهى الشدة مع «مثيري الشغب والمخلين بالنظام العام». من جهته، طالب رئيس البلدية الإسرائيلية للقدس نير بركات بمنح الشرطة كل الوسائل «القمعية» التي تضمن استعادة الهدوء.

وذكرت تقارير صحافية أن شرطة الاحتلال ستعزز نشر «المستعربين» في أوساط الفلسطينيين في القدس المحتلة، وترسل أعداداً أخرى من أفرادها إلى مشارف الأحياء الفلسطينية في القدس، وستستخدم وسائل تكنولوجية جديدة، مثل «بالونات تصوير خاصة»، بهدف اعتقال راشقي الحجارة.

استفزازات

وفي سياق الاستفزازات المتواصلة، وإشعال المزيد من الغضب الفلسطيني، لاسيما في القدس، أعلنت لجنة التخطيط والبناء، التابعة لبلدية الاحتلال، عن نيتها التقدّم بطلب الموافقة على بناء 1600 وحدة استيطانية في مستوطنة «رامات شلومو»، شمال مدينة القدس، ويأتي هذا الطلب على خلفية عملية «الدهس» الأخيرة، التي وقعت في القدس المحتلة، وازدياد التوتر في المدينة، مؤكدة أنه سيكون هناك اجتماعان لمناقشة بناء مزيد من الوحدات السكنية خارج الخط الأخضر، كما ستناقش لجنة الأمن التابعة للكنيست، مسألة الأمن في مدينة القدس. ووفق ما نقلت صحيفة «هآرتس»، فإن الداخلية الإسرائيلية سبق أن صادقت على بناء الوحدات المذكورة، في عام 2010 بالتزامن مع استئناف المفاوضات وزيارة نائب الرئيس الأميركي جو بايدن لإسرائيل، ما أثار موجة انتقادات غير مسبوقة.

ونقلت الصحيفة أنه في نهاية عام 2012، وفي أعقاب توجّه السلطة إلى الأمم المتحدة بطلب الاعتراف، قررت إسرائيل مرة أخرى تفعيل خطة بناء 1600 وحدة استيطانية في رامات شلومو، وتم طرح العطاءات اللازمة للبناء، إلا أنه لم يتم الحصول على تراخيص البناء حتى اليوم، بسبب عدم استكمال شق الطرق الواصلة إلى الحي. ويأتي الحديث الإسرائيلي عن مزيد من الاستيطان والمشاريع الاستيطانية في المدينة المقدسة، في وقت أكد فيه صائب عريقات مسؤول ملف المفاوضات، أن الفلسطينيين لن ينتظروا إلى ما بعد نوفمبر كي يباشروا في الاتصالات الدبلوماسية للاعتراف بدولتهم، وهو الأمر الذي قال عريقات إنه «لن يروق للأميركيين والإسرائيليين». ويرى عريقات أنه إذا كان نتنياهو يعتقد أن بوسعه الإبقاء على الوضع الحالي، وأن الفلسطينيين سيفعلون ذلك من أجله، «نؤكد له أن هذا الأمر لن يستمر إلى ما بعد نوفمبر، فنحن لم نعد نحتمل أكثر من ذلك، ولن تبقى الأمور كما هي بعد ذلك».

تشكيك

وعلى الضد من الموقف الرسمي الإسرائيلي، شكك معلقون بارزون في أن تنجح «الوسائل القمعية» والحلول الأمنية التي تستخدمها شرطة الاحتلال في إخماد النار الملتهبة في القدس المحتلة منذ أشهر، وتحديداً منذ خطف الشاب محمد أبو خضير وحرقه حياً. وأشاروا إلى حقيقة أن غالبية المشاركين الفلسطينيين في الأعمال الاحتجاجية ورشق الحجارة هم من الفتيان، وأن اعتقال المئات منهم لم يردع باقي الفتية عن مواصلة الأعمال الاحتجاجية، وحذّروا من أن عدم احتواء الأوضاع بسرعة سيشعل الضفة كلها.

كما نبّه معلقون إلى أن استمرار استفزازات اليهود المتطرفين في المسجد الأقصى، وتكثيف الاستيطان في قلب الأحياء الفلسطينية، سيشعلان القدس كلها، ويعلنان رسمياً اندلاع الانتفاضة. ووصف المحلل العسكري في صحيفة «هآرتس» عاموس هارئيل الأوضاع في القدس بأنها «انتفاضة محلية» تنذر بتوسع رقعتها إلى أنحاء الضفة.
كما سخر المعلق السياسي في «يديعوت أحرونوت» شمعون شيفر من تحميل إسرائيل المسؤولية للرئيس عباس عن حادث الدهس في القدس، وكتب أن كل المسؤولية تقع على الحكومة، لأنها مسؤولة، دون سواها، عما يحصل داخل حدودها. وأضاف أن رئيس الحكومة منشغل بـ»الملف الإيراني» على حساب «الملف الفلسطيني»، وأنه ينبغي عليه أن يقنع الفلسطينيين في القدس بأنه «ليست لدى إسرائيل نية لإبقائهم من دون مجال جغرافي للحياة فيه».

جغرافية الخوف

وكتب أحد المعقلين البارزين في الصحافة الإسرائيلية، نداف شرغاي، قبل أيام مقالاً جاء فيه: «القدس أصبحت تُقسم في هدوء من دون أن نفكر في ذلك». وأضاف: «القدس أصبحت تقسمها من جديد جغرافية الخوف، إذ صار عدد أقل من اليهود وعدد أقل من العرب يتجاوزون أحياءهم إلى الجانب الآخر، وأخذت تقل الاختلاطات الكثيرة بين اليهود والعرب، التي لم نكثر السماع عنها في الأيام المعتادة». ولجأت السلطات الإسرائيلية الى القمع لإسكات الاحتجاجات الفلسطينية في القدس، فقتلت عدداً من المتظاهرين، وأصابت العشرات واعتقلت المئات.
وعبثاً يحاول الإسرائيليون، وعبر الحلول القمعية والأمنية، إخضاع الفلسطينيين الثائرين على ظلم تاريخي يحيق بهم، وها هي في القدس لم تنجح، وستفشل، كما هو واقع الحال في الضفة وغزة، وها هو الصراع تزداد وتيرته، ويرتفع أوار نيرانه المشتعلة، ولن تقوى حكومة العدو على إخماده مهما بلغت مستويات القمع والإرهاب والرعب المستخدَمة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *