الرئيسية » قضايا وآراء » ماجد الشيخ : الغرق في هلام اليوتوبيا الدينية

ماجد الشيخ : الغرق في هلام اليوتوبيا الدينية

ماجد الشيخ
ماجد الشيخ

ماذا تفعل أمة تنزوي جميع قاماتها ومقاماتها، ولم يبقَ في سوح «الجهاد» و»المناضلة» وجلد الذات، وذبح الناس، سوى بعض قوى «إسلام سياسي» يزايد بعضها على بعض، بالتطرف والإرهاب والمقاتلة والفتن العظمى. ولم يبقَ معتدل إلا وانضم إلى الركب، وكأن «دولة الخلافة» تتحقق على الأرض، ومعها يتحقق العدل وتقام «دولة الإسلام»!

وفي الحقيقة، التي لا يمكن دحضها مطلقاً، أنه لا بمثل هذه «الدول»، ولا بمثل تلك المسلكيات، ولا بمثل قوى كهذه مهمتها الرئيسة خلط الحابل بالنابل؛ السياسة بالدين، التدين بالسياسة، تأويلات وتقويلات من كل نوع، تشريعات بدائية، شريعة غاب؛ فتن صغرى وكبرى، ليس بمثل هذا كله، يمكن قيام دولة مهما تكن مواصفاتها، فللدول قوانينها ومعاييرها وحيثياتها الواقعية، ودساتيرها المدنية، ومواطنوها المؤمنون بها دولة مدنية، لا دولة معطاة من قبل الغيب، أو «بإرادة الخليفة» ومن لفَّ لفه من عاشقي السلطة، وعلى الضد من الطبيعة البشرية، وعلى هامش المجتمع الإنساني والمشتركات الإنسانية.

إن التنكيل بالإنسان، ليس من شيم الدول، وتدمير الدول وتفتيت وتذرير مجتمعاتها وشعوبها، ليس من شيم أناس صالحين، بل من شيم الأشرار، الذين لا يعرفون للحق سبيلاً، وكل هذا الذي يجري اليوم في بلادنا، من صنع أشرار لا يعرفون للخير سبيلا، وما تفعله القوى الإقليمية بفرجتها واستثمارها في الدم المذهبي المراق في أكثر من بلد عربي، ليس سوى المساهمة الانتقامية، في المقتلة الكبرى التي لن يكون فيها منتصر؛ سوى شياطين القوى الكبرى، والصغرى الإقليمية؛ وهي تتحد في مواجهة عروبة يغتصبها «إسلام سياسي» حاضر وغارق في لجة غيابه وغيبياته، بل غائب، ومغيَّب عن دنيا السياسة، ودنيا مجتمعات الدول المعاصرة.

يحمل تقدم القوى الإرهابية والمتطرفة على اختلاف أطيافها، مقدمة المشهد العربي الراهن بذور الموات لكل ما هو حي، ومقدمات تدمير ما ابتدعته عقول المجتمعات العربية، وما كادت أن تنجزه في لحظات الصعود القومي، ونذر الكفاحات الوطنية التي تتصدّر القوى الدينية على اختلافها، طليعة قوى إجهاضها، وزرع أشتال التضاد الكامل والمطلق لكل ما هو حديث وتنويري، وسط «طلائع» القتل والذبح والنحر والانتحار وارتكاب «الكبائر»، واعتبارها سمة وصفة «المنتصرين» على شعوبهم ودولهم.

وإذ يخوض البعض «صراع الهوية»، وهو يفتقد بلورة واضحة لهويته التي لا ركيزة لها أو حتى مرجعية واضحة، فإنه كمن يطلق النار على نفسه ليستعذب الموت الرجيم، دفاعاً عن هلام اليوتوبيا الدينية، التي فقدت أي ميزة وطنية أو إنسانية لها، في ما يجري من تذابح انتحاري على ما يفترض أنها «الهوية الدينية». فأي أفق لصراع كهذا يفتقد المنطق والمعقولية؟ وأي أمل يمكن انتزاعه من براثن اللاأمل المبني على رمال من تاريخ زائف، ومن تراث يجري تبجيله وتقديسه، فيما هو أبعد من أن يكون من التاريخ والوقائع التاريخية، حيث الخرافات والأساطير واحدة من الخدع التي تدور بالعقل الديني دورة كاملة، لتحل ما هو زائف محل ما هو واقعي وتاريخي، وتلك مأساة الإنسان المعاصر مع تدين لا يرعوي عن إحلال كل ما هو لا عقلاني، محل المنطق والعقل والأمل بالخلاص الإنساني.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *