الرئيسية » قضايا وآراء » محمد جاد : لعبة إطلاق النار على جثة

محمد جاد : لعبة إطلاق النار على جثة

محمد جاد
محمد جاد

يظن الكثيرون أن ذاكرة الشعوب كالسمك.. لحظية، إلا أن القِلة الحكيمة تجد في تجديد الذكرى كل لحظة معنى آخر تماماً، ألا وهو محو هذه الذكرى، وجعلها شيئاً روتينياً لا قيمة له.

لم يزل يُطالعنا الرئيس المخلوع في محاكماته الكاريكاتورية المتكررة، آخرها هذا الأسبوع، والذي كان من المفترض فيه النطق بالحكم، إلا أنه تأجل للدراسة المتأنية، وإصدار الأحكام العادلة في حق سيادته.. ومهما كان الحكم الذي أصابه السأم، فهل تخِيْل لعبة إطلاق النار على الجثث، والرجل أصبح كالكومبارس في المشهد، بينما الأبطال الجدد ــ من نسله العسكري ــ يقومون بالمهمة على وجهها الأكمل؟! فهُم على النهج سائرون، ويودون في غفلة من الكاميرات أن يؤدوا للجثة التي خلف القضبان التحية العسكرية، كما اعتادوا وتربوا.

ربما تجد هذه الألعاب هوى في مخيلات بعض أفراد الشعب.. من حيث تصدير حالات القلق والترقب، التي تصاحب كل فقرة تبدو خطرة من فقرات السيرك، إلا أن اللاعبين يدركون تماماً أنها حركات بهلوانية لطالما تدرَّبوا عليها، وسخروا بينهم وبين أنفسهم من سذاجة المتفرجين فاغري الأفواه.

هنا يكمن سِحر اللعبة، والحشد الجماهيري كلما ازداد، ازدادت معه ضحكات اللاعبين الصاخبة، تماماً كحواة الموالد الشعبية، الذي يقول للجمهور بعينيه فقط.. انتظر.. إنه يتحرك/يده ترتفع/تلوك شفتاه الكلام غير المفهوم/لم يمت بعد/يتحرك/ملامحه تتوتر/وأعصابه منهارة، هنا نلمح رجلاً يأتي من بعيد، ويستخرج مسدسه، يحشوه برصاصة وحيدة ــ رصاصة رحمة في الأساس – ليبدو للعيان أنه ينتقم لهم من الشرير القابع مذعوراً في جلسته، فيصفق الجمهور للبطل الذي جاء يأخذ بثأرهم ــ وفق قواعد اللعبة المرسومة بدقة ــ وهم يتركونه يفعل ذلك عن طيب خاطر.

إلا أن الرجل القابع ميت بالفعل منذ زمن، ولم يدرك المتفرجون أنه الرجل نفسه الذي يأتون به كل ليلة، حتى تكتمل مراسم العرض، وهم يصفقون كل ليلة للفعلة نفسها، وللخيبة نفسها، وهنا ليس فقط سينسون المقتول، بل سينسون أنفسهم، ويحاولون تذكير بعضهم البعض بمشاهدة العرض السحري، فقط ضحكة صاحب المسدس، ورصاصته الوحيدة هي التي ستبقى في ذاكرتهم، فيصفقون ويُشاركونه الضحك، خشية أن تخطئ رصاصته الهدف.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *