الرئيسية » آخر الأخبار » Amarcord.. ذكريات فيلليني التي لا تنتهي: صعود الفاشية في مناخ بيئة مريضة

Amarcord.. ذكريات فيلليني التي لا تنتهي: صعود الفاشية في مناخ بيئة مريضة

مشهد من الفيلم
مشهد من الفيلم

محمد عبد الرحيم:
يواصل استديو الأربعاء، تحت رعاية نادي الكويت للسينما، عروضه ضمن الشهر المخصص لأفلام مخرج إيطاليا الكبير فيدريكو فيلليني، بمناسبة ذكرى وفاته هذا الشهر (31 أكتوبر 1993)، فقام بعرض فيلمه الشهير «Amarcord/إني أتذكّر»، إنتاج 1973، الذي يحكي فيه فيلليني جزءاً من طفولته ومراهقته، وطفولة إيطاليا المزمنة، متمثلة في قريته «ريميني».

فيلليني، الذي جعل من أفلام السيرة الذاتية نهجاً يتبعه صناع السينما بعد ذلك في دول العالم، فتح باب القول والبوح الذاتي في السينما على مصراعيه، ليأتي كل من وودي آلن وبوب فوسي ويوسف شاهين وآخرين. والرجل يُضمّن معظم أفلامه جزءاً ولو يسيراً من سيرته.. شخصيات قابلها، وأماكن عرفها، إضافة إلى الرؤية الذاتية الصرفة في بعض الأعمال، وإن كانت من وجهة سردية موضوعية، وتحقق ذلك على سبيل المثال في أفلامه «كازانوفا فيلليني»، «روما فيلليني». ومن هنا جاءت سينما فيلليني مُغايرة لنوعية وطبيعة الأفلام في عصره، وأثرها لم يزل حتى وقتنا الراهن.

شخصيات كاريكاتورية

تبدأ الحكاية حول صبي (تيتا/فيلليني)على أعتاب المراهقة بين أسرته، أب يعمل مُلاحظ عُمّال، وأم ربة منزل، وعمّ عاطل، وجدّ لا يجد ما يفعله، وأخ أصغر وطفلة. لنستكشف من خلال «تيتا» عالم القرية التي يعيش بها، كنموذج مُصغّر لإيطاليا. خاصة أن الوقت هو الثلاثينات، وبداية صعود الفاشية.

المبالغة في رسم الشخصيات من سمات أفلام فيلليني، فهو يرسم عالم مجانين، يعيشون طفولتهم حتى وإن تجاوزوا السبعين.. عالم المراهقة والمدرسة وهلاوس المراهقين الجنسية، فتاة القرية الجميلة التي يحلم بها الجميع ليل نهار، رجل عاطل عن العمل لا يفعل سوى النوم والتأنق والظهور في المحافل الليلية، ليتحوّل بعد ذلك إلى نموذج مثالي للرجل الفاشي، فالفاشية هنا تكمن في نفسيات الأشخاص، قبل أن تتحول إلى نظام سياسي، أربعيني مريض ــ خال تيتا ــ يودَع إحدى المصحّات النفسية، ويعاني من الكبت الجنسي، ولا يجد سبيلاً إلى الصعود إلى شجرة عالية ليكون قريباً من الله ويدعوه إلى أن يرسل له امرأة بأية طريقة، وإلا سيُلقي بنفسه، ثري عربي يأتي للفندق الوحيد القريب من القرية، وكأنه من شخصيات ألف ليلة، قزم دميم، وخلفه ما ملكت أيمانه من طابور النساء الطويل، النساء المحبوسات خلف الشرفات، ويُدلين الملاءات ليصعد أحد الشباب السُذّج إليهن ــ أشبه بحكاية الحمال والبنات في ألف ليلة وليلة ــ عالم كامل من الشخصيات التي من الممكن أن تقود الحكاية وتخلق منها عوالم أخرى صغيرة، وهكذا يتشكل السرد من حكايات تتقاطع وتتكامل من دون خط درامي تقليدي، فكيف تتم تربية الصغار في المدارس والناس في القرى على اعتناق الفاشية وتأليه موسوليني، وكيف يصطدم المراهق «تيتا» بأول تجربة أو محاولة جنسية مع امرأة ضخمة ــ تتكرر هذه المرأة في أفلام فيلليني ــ تستغله لتوفير متعتها الخاصة، بينما هو موشك على الموت اختناقاً من ضخامتها، بأسلوب غاية في السخرية والقسوة. ولحظة الحلم حينما خرجت القرية بالكامل لمشاهدة عبور السفينة الكبيرة بمياهها، والجميع كأنهم في كرنفال طفولي كبير، ليبدو في النهاية «تيتا»، وقد اكتسبت ملامحه خبرة ما، لترحل فاتنة القرية ــ أحلام الجميع ــ وتتزوج أحد العسكريين، ويُشارك الجميع في حفل زفافها، ما بين حزن وسعادة، وتوصية الزوج بها، وقد تمكنت الفاشية تماماً من إيطاليا كلها، لتبدو القرية خالية، ويأتي رجل يظهر خلال الأحداث ليُعلق عليها من الخارج ــ أشبه بالراوي الشعبي ــ ليضع نهاية لأحداث هذا المصح الكبير.

الفاشية والدين

حاول فيلليني خلال معظم أعماله أن يرصد الروح الخربة لإيطاليا/أوروبا جرّاء تسلط النظم السياسية ورجال الدين على الحياة، ليصل الأمر دوماً إلى سخرية مريرة من كليهما، فرجال الدين دوماً كاذبون، وملفقون، فقط يريدون التسلط والتحكم بحياة الناس، وانتقد فيلليني رجال الدين الكاثوليك ومواقفهم الأقرب إلى الأحكام العسكرية، وبالتالي فلم تنشأ الفاشية في مناخ غريب عنها، بل كانت الظروف أمامها مؤهلة تماماً لصعودها، وبالتالي لم يأتِ موسوليني من فراغ. ونتيجة ذلك يتحوّل الفرد الواقع تحت سيطرة مَن يقومون بتسيير شؤون حياته إلى مجرد آلة، لا يهمه ما يحدث وما سيكون، فهناك آخرون يرعون مصالحه، ويرتبون له أدق تفاصيل حياته، ليبدو في لا وعيه أنه بدوره يستطيع إن واتته الفرصة أن يصبح مُتسلطاً وسلطوياً أكثر من السُّلطة التي تحركه كالدمى. فها هو الأب المتشدد دائماً والمنفعل بالصراخ والعصبية ــ وإن كان بشكل هزلي ــ مثال واضح بداية من صلواته الصباحية أمام الطعام، وحتى صفع نفسه كلما ضاق بها الحال. دائماً ما يتعرّض «تيتا» للتوبيخ من أبيه، خاصة عند الذهاب للسينما، وهناك نظرة تبجيل من الأب يحاول بثها لجميع الأسرة نحو أخيه الشاب العاطل، بما أنه يمثل القوة والوسامة ــ المُفترضة ــ في الأسرة، هذا الشاب الذي سيتحول ببساطة شديدة إلى أحد مشجعي ورموز الفاشية في القرية، من دون أن يفقد الأخ الأكبر/الأب نظرة التبجيل، وقد أضيفت إليها الرهبة. هذا التركيب والتحالف ما بين الدين والسُّلطة يأتي من خلال أفعال وتصرفات أسرة يكاد الخلل النفسي والعقلي يقضي عليها، من دون مقولات وادعاءات فارغة رنانة، فقط بعض التصرفات، مثل نشوء معركة فجأة أثناء تناول الطعام، ليبدأ الجميع في الصراخ والغضب، بينما الفاشي المُتأنق ينظر إلى الجميع، من دون أن يتأثر ويستمر في تناول طعامه للنهاية، بثقة وبرود أعصاب شديدين، كأي سياسي مشعوذ. فهناك أرضية مشتركة ما بين الاثنين.. رجل متعصّب دينياً، وآخر جاهل يبحث عن السُّلطة ويتمثلها ينتظر الفرصة، وبينهما تتحوّل الحياة إلى جحيم، خاصة حياة «تيتا». ولكن الأمر لم يكن بياناً انتقادياً، بل سخرية مريرة من الاثنين، ومن دون أن نفقد التعاطف معهما، فهناك آفة السُّلطة ــ رغم تنوعها ــ الكامنة في نفوس الجميع، والتي تنتظر فقط الفرصة. يُقابل ذلك فاقدو العقل، الذين لا يشعرون ولا يهتمون إلا بأنفسهم، وهم الأكثر حرية في عالم فيلليني، وهنا يخلق الرجل مفارقة في غاية الروعة، فـ «تيتا» يقابل اثنين من فاقدي العقل.. الخال المسجون في مصحة، وفتاة هائمة في شوارع القرية، وكل منهما يُعاني إما من الكبت أو الهوس الجنسي، الفتاة التي تتعرّى في أي مكان، والرجل الذي يُصرّ على مخاطبة الله بأن يحل له المشكلة، فلا يأتونه إلا براهبة من الأقزام في غاية الدمامة، تقنعه بالهبوط من فوق الشجرة، فحتى المرأة التي قد يهديها له الله لن تأتي إلا عن طريق متحدثي الله الرسميين، وهم أنفسهم الذين يبتعدون عن فتاة القرية المهوسة، لأن روح الشيطان تسكنها!

أماكن فيلليني

من المعروف أن فيدريكو فيلليني لم يكن أبداً يعمل خارج الاستديو، بحيث يريد التحكم في كل شيء، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فأماكن التصوير توحي بالحقيقة فقط، من دون أن تعبّر عنها، توحي بالحالة بمعنى أدق. ومن المشاهد الشهيرة في Amarcord مشهد انتظار السفينة على الشاطئ، لا وجود لبحر حقيقي، ولا سفينة بالمعنى الحقيقي أيضاً، وهو ما يتماشى تماماً مع المفهوم الجمالي ووجهة النظر الجمالية لعالم الفيلم، والمخرج لا يُخفي ذلك، بل يُساعد على كشفه. ومن المشاهد التشكيلية أيضاً مشهد الثلوج، والبحث عن جميلة القرية، التي تبدو لـ «تيتا» وتختفي، وكأنه يُطاردها في واقع مُتخيّل أو العكس!

.. ومشهد آخر من الفيلم
.. ومشهد آخر من الفيلم
Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *