الرئيسية » آخر الأخبار » السياسة البريطانية ومحاربة التطرُّف وحماية الأجيال من الفكر «الداعشي»

السياسة البريطانية ومحاربة التطرُّف وحماية الأجيال من الفكر «الداعشي»

الشيخ صباح الخالد ووزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند في الاجتماع
الشيخ صباح الخالد ووزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند في الاجتماع

محمد الغربللي:
لافت الاجتماع الذي عُقد الأسبوع الماضي بين وزارء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي ووزير الخارجية البريطاني، في إطار الحوار الخليجي – البريطاني، الذي أعقبه مؤتمر صحفي ضم وزير الخارجية في الكويت والوزير البريطاني وأمين عام مجلس التعاون الخليجي.. والأمر اللافت في المؤتمر ما صرّح به وزير الخارجية، الشيخ صباح الخالد «بأن الأزمة السورية لن تقف عند تدمير سوريا، بل ستمتد إلى دول الجوار والمنطقة برمّتها، وها نحن نشهد ما كنا نحذِّر منه في البداية».

من جانبه تحدث وزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند، قائلا: «ونعترف بالخطر الأساسي لأمننا القومي، وهذا ليس قتالا مع بلد آخر، بل هو قتال خاص بنا جميعاً.. ووفق وصف رئيس الوزراء ديفيد كاميرون فإن ما يحدث هو نضال جيلي ضد داعش، ونحن لا نتعامل فقط مع قوى عسكرية أو دولية، بل نتعامل مع فكر وأيديولوجية قبل أن تستحوذ على جيل كامل، ولهذا فإنه نضال جيلي نخوضه، وعلينا أن نتأكد أننا نحارب هذا الفكر ونقوّض هذه الأيديولوجية، كي نتأكد أن الجيل المقبل لن يتأثر بفكر داعش».

الجامعة العربية

بداية نقول إن من أجّج وزاد من وتيرة الصراع في سوريا هي الدول العربية في إطار الجامعة العربية، برفد ومحرّك خليجي بحت، بما لديها من وزن وقوة ضغط في محيط الجامعة العربية.. علينا تذكير وزير خارجيتنا بأنه لم تكد تمضي أشهر معدودة على اندلاع أحداث الأزمة السورية حتى قامت الجامعة العربية بتعليق عضوية سوريا، وهي دولة مؤسِّسة في الجامعة العربية، ثم توالت التصريحات المبشرة بقرب سقوط النظام في سوريا.

يعلم الجميع من أحبط مساعي موفد الجامعة العربية محمد الدابي ووضع تقريره على الرَّف، ثم تم الضغط المالي والأدبي لإنهاء أي دور في إطار مساعي الحل للأزمة السورية منذ بدايتها. الجميع يعلم سعادة الوزير من صفق الباب مغادراً غرفة اجتماعات مجموعة أصدقاء سوريا، الذي عُقد في تونس جراء عدم تبني قرار تسليح المعارضة السورية.

وكما أتى في النص القرآني {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا} [يوسف: 26] أشار نائب رئيس الولايات المتحدة جون بايدن بوضوح في المحاضرة التي ألقاها أمام أكاديميين مختصين -وليسوا طلبة صغار السن- إلى قيام دول ضمن التحالف الدولي بمساعدة التنظيمات الإرهابية في سوريا بالمال والسلاح، وأشار إلى بعض الدول الخليجية وأيضا تركيا.. منذ بدء الأزمة السورية أتت أيادٍ خارجية لتوتير الأوضاع سلاحاً ومالاً، كل وفق مصالحه الخاصة وأهدافه لإسقاط النظام في سوريا.. هنا لا نتحدّث عن أهلية النظام والتزامه بحقوق الإنسان والحريات والكرامة الإنسانية، فهذا شأن سوري بحت، يتولاه الشعب السوري سلمياً من دون تدخلات خارجية.. وللتاريخ، وبالعودة إلى مؤتمر جنيف 2، فإن من تحدّث عن الإرهاب وتمدده، ومن تحدث عن مخاطر استمرار الأزمة السورية والأيادي التي تدفع إلى توتير الأوضاع في سوريا من تجنيد الإرهابيين في الخارج وتزويدهم بالسلاح والمال ومناطق التجمع في الدول المحاذية، من تحدّث وحذّر من هذا الموضوع كان وزير الخارجية السوري وليد المعلم، عند افتتاح جلسات مؤتمر جنيف 2.. وكان من يحاول عرقلته أثناء الحديث «الدمية» الأميركية، أمين عام الأمم المتحدة، بمقاطعته مراراً وتكراراً.

الرؤية السورية

كانت تلك هي الرؤية السورية بالتحذير من الخطر الإرهابي وتمدد آثار الأزمة خارج النطاق السوري.. وكان عدد من الدول العربية ترى وتبشر وتعمل عملياً على التبشير بأن أيام النظام السوري باتت معدودة ومصيره السقوط، وحتى شيمون بيريز ذهب إلى أبعد من ذلك بقوله إن النظام السوري لن يستمر أكثر من شهرين.. ومازالت بعض الدول تعمل على قرع طبول الحرب، بالرغم من المخاطر الكارثية الناجمة عن الأوضاع في سوريا وامتدادها إلى العراق ولبنان، التي قد تصل إلى دول أخرى.. يجب الاعتراف بأن أطرافاً في الجامعة العربية لم تكن ساعية نحو الحلول السلمية ومعالجة الأزمة السورية سلمياً وبيد الشعب السوري وحده.. فحتى الولايات المتحدة صاحبة مشروع التحالف الأممي لم تسمح لأمين عام هيئة التنسيق في سوريا هيثم مناع بالذهاب محاضراً إلى إحدى الجامعات الأميركية، فهي لا تريد أن تسمع إلا قارعي طبول الحرب من المعارضة السورية.

دهاء البريطانيين

الواقع الحالي يشير إلى ما تم التنبؤ به بعد أشهر من بدء الأزمة في سوريا، متمثلا في جذب الإرهابيين وتمددهم، وانتشار الحروب في دول عربية متعددة، وبعضها على شفا الحروب.. وهذه النظرة لم تكن لدى الدول الخليجية التي تدَّعي تبني هذه الرؤية، بل إن جميع تصرفاتها، أو على الأقل بعضها كانت تصبّ مزيداً من الزيت على النار السورية، ومازالت مستمرة.

أما تصريح وزير الخارجية البريطاني، فهو يعبر عن المواربة ودهاء السياسة البريطانية التقليدية في منطقتنا، هذا الدهاء البريطاني، والرياء في الوقت ذاته، يذكّرنا بالرسائل المتبادلة بين الشريف حسين في إمارته الحجازية والسير ماكماهون الذي دعاه لإعلان الجهاد ضد الدولة العثمانية، على وعد قيام دولة عربية يحكمها الشريف حسين نفسه.. وذلك، في الوقت ذاته، الذي أبرمت فيه بريطانيا العظمى اتفاقية سايس بيكو مع الحكومة الفرنسية لتقاسم العالم العربي بعد سقوط الدولة العثمانية.

و أيضا في الوقت الذي يعلن فيه الوزير البريطاني بلفور وعده لليهود بإقامة وطن قومي في فلسطين.. ذهبت وعود ماكماهون للعرب أدراج الرياح، وتلاشت بمرور الأيام مع انتهاء الحرب العالمية الأولى، بل ذهبت إلى أكثر من ذلك بإنهاء حكم الشريف حسين للحجاز، ونفيه إلى قبرص بعد أن منعه من البقاء في شرق الأردن لدى ابنه الأمير عبدالله.. غادر منفياً إلى قبرص وسقط مريضاً بجلطة دماغية من هول ما رآه من جحود بريطاني، حتى توفاه الله بعد زمن قصير.

محاربة الفكر «الداعشي»

لا نريد العودة إلى ما مضى من التاريخ، ولكن هذه هي سمة من سمات السياسة البريطانية التي عبّر عنها وزير الخارجية البريطاني بلغة حديثة تخاطب تطور العصر.. فهو يريد أن ينهي الفكر والأيديولوجية «الداعشية»، ليتم القضاء عليها ولا تنتقل إلى أجيال قادمة.. بالنسبة إليهم وفق التعبيرات الواضحة للوزير البريطاني، فالموضوع ليس مواجهة عسكرية فقط كحال المواجهات ما بين دولة وأخرى، بل مواجهة أيديولوجية ضد التفكير الإرهابي الإقصائي، ونحن نتفق مع الوزير البريطاني من حيث الشكل، لكننا نختلف معه مضموناً، وعلى أرض الواقع.. فمواجهة التفكير الإرهابي للقضاء عليه لا تتم بلقاح أو دواء كحال القضاء على وباء «الإيبولا» مثلاً، بل بوجود ديمقراطية سياسية واجتماعية واقتصادية في هذه الدول.. وجود مشاركة شعبية في اتخاذ القرارات.. فما دامت هناك مشاركة شعبية في قرارات ما، فالشعب ملزم بتطبيقها.. يفترض في محاربة التفكير «الداعشي» وجود حريات عامة، تتيح التعبير عن الرأي وحماية حقوق الإنسان وتحقيق العدالة والمساواة أمام القانون، وصون الكرامة الإنسانية وغيرها من مبادئ العدالة والحرية والمساواة.. فهي البيئة اللازمة لمواجهة التفكير الإقصائي أينما كان منبعه وجذوره.

وليسأل الوزير نفسه ومن اجتمع معهم: ماذا يتوافر من هذه المبادئ في بلدانهم؟.. اعتقالات وسجون ومحاكمات ينقصها العدل.. هيمنة كاملة لحكم الفرد المطلق، امتهان لكرامة الإنسان وتهميش تام على مستوى القرار.. فحتى حق المواطنة قابل للانتهاك.. وهذا ما كان يجري في البحرين، واستحلت الكويت تطبيقه مؤخراً.. لا يمكن محاربة الأفكار الإرهابية التدميرية إلا بإيجاد بيئة ديمقراطية حقيقية، وليس في دول يعتبر فيها المواطنون مجرد رعايا، فمع استمرار هذه الأوضاع سيأتينا في المستقبل «داعش» بمسميات أخرى، فاللغة العربية لا تبخل علينا في إيجاد مسميات أخرى.. والأسماء مجاناً كما يقال..

ما لم يتوافر وضع ديمقراطي حقيقي، فإن الأجيال القادمة ستتأثر بأية أفكار إرهابية، مادامت أبواب الديمقراطية والحرية والمساواة مغلقة أمامها.. وستستمر مثل تلك الحواضن بولادة تنظيمات داعشية أو غيرها من المنظمات ذات التطرف الديني. على الوزير البريطاني قراءة تقارير حقوق الإنسان السنوية الصادرة بشأن المنطقة قبل رفع رايات الحرب الأيديولوجية.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *