الرئيسية » عربي ودولي » الموقف التركي من الأكراد.. وقراءة الأحداث وفق رؤية تاريخية

الموقف التركي من الأكراد.. وقراءة الأحداث وفق رؤية تاريخية

كتب عبد الله التميمي:
باشرت صحف عربية وعالمية عدة التركيز على منطقة «عين العرب» أو «كوباني»، كمحل للصراع الدائر مع تنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، على الرغم من وجود معارك أخرى معه أشد فتكاً في العراق وسوريا، لكن الحيز الذي أخذه الأكراد كان حيزاً، برأي كثيرين، مقصوداً، وأكثر من يميل لهذا الرأي هم الأتراك «النظام التركي».

سايكس- بيكو

ومن يتتبع القضية الكردية التركية، منذ تقسيم السلطنة العثمانية، يعرف القصد من هذا الكلام، حيث كان من المقرر أن تشمل سايكس- بيكو اتفاقية لإعطاء الأكراد دولة تُقتطع من تركيا وسوريا والعراق وإيران، وبالتالي المزيد من التقسيم لتركيا بالذات، والمزيد من تقسيم الشرق الأوسط والمنطقة إلى أقليات جديدة فتية متشبعة بالروح الوطنية، ولكي تكون هناك دولة كردية تعتمد على الغرب في احتياجاتها، وتم إشباع الأكراد بهذه الفكرة، ولولا الكماليون (جماعة مصطفى كمال أتاتورك) لانقسمت تركيا إلى أقسام متعددة، منها ما هو للأكراد، لكن مقاومة أتاتورك وجماعته لهذا المشروع حافظت على وحدة تركيا، الدولة الناشئة الجديدة.

وظل حلم الدولة الكردية يطارد الأكراد، لكنه حلم بات سراباً بعدما تخلّت بريطانيا عن الفكرة، ورأت أنها لا تستطيع استكمال دعم من يحارب أتاتورك، سواء من الأكراد أم اليونانيين، بعد سلسلة الحروب العالمية، ولأن أتاتورك لن يشكل خطراً كبيراً في المستقبل، فكل ما أراده هو المحافظة على وحدة تركيا، ولم تكن له طموحات للغزو والتوسع، ويمكن احتواؤه والتحالف معه، وهو ما حصل بعد ذلك بانضمام تركيا إلى حلف الناتو كعضو مؤسس.

من الإرهاب إلى الحرية

وتحول الأكراد بين ليلة وضحاها من جماعة مدعومة من الغرب، إلى منظمات على لائحة الإرهاب عند الغرب! وذلك لأنها كانت تهدد دولة من دول الناتو (تركيا)، وتسبب ربكة في منطقة الشرق الأوسط، وهي ربكة لا يريدها الغرب ولا حلفاؤه في المنطقة، فكان العراقيون يضربونهم تارة، وأخرى يقصفهم الأتراك، وثالثة يعتقلهم الإيرانيون، فلم يكن لهم أصدقاء في المنطقة.

ولم يجد الأكراد لهم متنفساً إلا بعد سقوط النظام البعثي في العراق عام 2003، فدخلت الشركات الأميركية، خصوصاً النفطية الكبيرة، وأصبح الأكراد على وفاق كبير مع الغرب، بل وصادقوا ألدَّ أعداء العرب في المنطقة (إسرائيل)، وهو أمر غير مستغرب لوجودهم وسط محيط من الأنظمة، التي كانت عادتهم مدة قرن من الزمن، واسترجع الغرب الخطة البريطانية مرة أخرى، بإعطاء الأكراد دولة وتقسيم العراق، والتضييق على تركيا وإيران ونظام الأسد والجهاديين.

كوباني

وبالعودة إلى مسألة «عين العرب» أو «كوباني»، نكاد نفهم كيف تحوّلت منظمات كردية، مصنفة كإرهابية عند الغرب، إلى مقاتلين عن الحرية، يتم تسليط الضوء عليهم بشكل متواصل كمدافعين عن الأرض والوطن، ويتم عرض الدول المحيطة، خصوصاً تركيا، كدول متآمرة على الأكراد.

وللحقيقة، فإن الأتراك فعلاً متخوفون من هذا المشروع واضح المعالم، فالنظام التركي، سواء كان على رأسه أتاتورك العلماني، أم أردوغان صاحب «الشعارات الإسلامية»، لا يختلف على مسألة «القومية التركية» ومقاومة الأكراد والتآمر عليهم بقوة، لمنعهم من الاستقلال، بل إن أردوغان نفسه لو خُيّر بين بقاء بشار الأسد أو انتصار الأكراد، لربما اختار بقاء بشار، ولضرب بأحلام الثورة السورية عرض الحائط!

وتهدف تركيا من وراء الشروط، التي وضعتها للانضمام إلى التحالف الدولي، أن تقود هي التحالف بنفسها، وهذا واضح من خلال شرط «المنطقة الآمنة» وتحديد هذه المنطقة داخل أراضيها، حتى تكون هي المشرفة على الموضوع، ولا يكون الأكراد إلا جنوداً تحت إمرة الجنرالات التركية.

وكل ما يفعله أردوغان أخيراً ونظامه من ادعاء الانتصار للشعب السوري، وعدم الانضمام إلى التحالف الدولي يأتي لأن الأتراك يفهمون أن هناك هدفاً غير مُعلَن، وإعلاماً يجيش لمصلحة الأكراد في حالة الانتصار، وأن استمرار الصراع يخدم النظام التركي، وانتصا الأكراد سيكون ضربة موجعة للنظام التركي، ولذلك يتمنى النظام التركي أن يستمر الصراع، يستمر ولا ينتصر فيه أحد على الآخر.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *