الرئيسية » آخر الأخبار » عبد الله النيباري : تخفيض الدعم والإصلاح المالي الشامل يرسمان صورة مستقبل الكويت

عبد الله النيباري : تخفيض الدعم والإصلاح المالي الشامل يرسمان صورة مستقبل الكويت

عبد الله النيباري
عبد الله النيباري

بإعلان الحكومة نيتها رفع أسعار الكهرباء والمحروقات النفطية للسيارات، ستدخل الكويت في معركة بدأت تلوح بدايتها، فرد الفعل النمطي هو رفض هذه التعديلات، بسبب زيادة الأعباء على الفئات الشعبية من محدودي الدخل ومتوسطيه.

معالم برنامج تصحيح الأسعار تتمثل في رفع أسعار الكهرباء وفق شرائح الاستهلاك، ورفع أسعار البنزين والديزل والكيروسين، لتحقيق خفض الإنفاق المنتظر بمقدار 570 مليون دينار سنويا، بنسبة 2٫5 في المئة من إجمالي مصروفات الدولة السنوية من جهة، وتخفيض الهدر في استهلاك الكهرباء والماء والبنزين من جهة أخرى.

موضوعياً، تبدو هذه الإجراءات مستحقة، فانخفاض أسعار الكهرباء والماء والبنزين والديزل في الكويت مسألة ليست محل اختلاف، إذ إن بقاء سعر الكهرباء بفلسين للكيلو واط، كما كان عليه منذ عام 1964، أي منذ 50 عاما، يبدو أمرا مستغرَباً، مما شجّع على الإسراف والهدر في الاستهلاك، خاصة مع ارتفاع مستوى المعيشة والتوسّع العمراني بكل صنوفه، وبالتالي فإن هذه الأسعار باتت لا تتناسب مع ارتفاع تكاليف إنتاج الكهرباء، ولا مع الارتفاع في المداخيل الفردية.

وبمعيار قياس السعر إلى التكلفة للكهرباء، على سبيل المثال، فإن سعر فلسين كان يمثل 12 في المئة من التكلفة، عندما كانت 17 فلساً للكيلو واط، وهي الآن 4 في المئة من 54 فلساً التكلفة الحالية، ورفعها إلى 6 فلوس، تكون النسبة 11٫11 في المئة، وهي قريبة مما كانت عليه.

وبحساب نسبة سعر الكهرباء إلى المداخيل أو المرتبات، آخذين بعين الاعتبار ارتفاعها، فإنه في عقود الستينات والسبعينات كان مرتب خريج الجامعة 120 ديناراً، ووكيل الوزارة المساعد 300 دينار، وآنذاك كانت نسبة سعر الكيلو واط إلى المرتبات 10000/1 في المئة من 120 ديناراً، وتعادل 100000/1 من مرتب 300 دينار.

ميزان العدالة

الآن ارتفعت المرتبات، فأصبح الداخل إلى الخدمة بشهادة جامعية يتقاضى مرتباً مقداره 500 دينار في المعدل، والوكيل المساعد يتقاضى 3000 دينار، مما يترتب عليه رفع نسبة سعر الكيلو واط لتتناسب مع معدل المرتبات.

هذا يعني أن الأعباء المالية على محدودي ومتوسطي الدخل لا تزيد نسبتها إلى دخولهم في العقود الماضية، فهي في حدود 10000/1 في المئة أو أقل.

طبعاً مطلوب الأخذ بعين الاعتبار أن الاستهلاك الفردي أو العائلي قد تضاعف، وهو ما قد يولِّد الإحساس بارتفاع الأعباء، ولذلك فالأمر يحتاج إلى معالجة تأخذ بعين الاعتبار ميزان العدالة، فهل يجوز أن نساوي بين الاستهلاك المنزلي أو العائلي والأنشطة الربحية في الانتفاع من الدعم الذي يصل إلى 90 في المئة؟!

ازمة النفط

ونحن الآن نواجه أزمة انخفاض أسعار النفط، التي هبطت في الأسابيع الأخيرة من 110 دولارات إلى 88 دولاراً للبرميل، ووفق تقرير الشال الاقتصادي، فقد كان متوسط أسعار النفط الكويتي في النصف الأول من السنة المالية (2014/2015) 106 دولارات للبرميل، وحققت 15 مليار دينار عن فترة الأشهر الستة، والآن إذا بقيت الأسعار عند مستوى 88 دولاراً، أو أقل من ذلك، فستنخفض إيرادات النفط في الأشهر الستة الباقية بنسبة 16 في المئة وتتقلص إلى أقل من 13 ملياراً، وهذا المبلغ يُخصم من تكاليف إنتاج النفط، التي تجاوزت 3 مليارات، وارتفاع تكلفة البرميل إلى 9 دولارات.

إذن، المطلوب أن يكون هنالك تميز بتخفيض الدعم للأنشطة الربحية التجارية والخدمية والصناعية.

وتحقيقاً لميزان العدالة، فالدعم الذي تتمتع به هذه الأنشطة يترجم بزيادة الأرباح لهذه الأنشطة، التي لا تتقاضى الدولة ضرائب عليها، كما هو معمولبه في كل أنحاء العالم المتقدم والنامي، لذلك فالمطلوب هو إصلاح مالي شامل، فالوفر الذي يعد به الوزراء لا يزيد على 2٫5 في المئة إن تحقق، بينما وصلت ميزانية الإنفاق إلى 22 مليار دينار، 95 في المئة من إيرادات النفط، ولا تزيد الإيرادات غير النفطية، بما فيها الضرائب والرسوم الجمركية والخدمات والجزاءات، على 5 في المئة من إجمالي الإيرادات.

صورة المستقبل التي تعبر عنها هذه الأرقام تدعو إلى القلق، مما يوجب التفكير الجاد في إصلاح مالي شامل، وربما جذري، فاعتمادنا على إيراد برميل النفط لا يضمن مستقبلاً زاهراً للاحتفاظ بمستوى الرفاهية التي تتمتع بها المجتمعات التي تعتمد فقط على مورد واحد قابل للنضوب.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *