الرئيسية » ثقافة » استديو الأربعاء يحتفي بذكرى رحيل فيلليني: «الحياة حلوة».. الحضارة الأوروبية بين الشيخوخة وضرورة الاعتراف

استديو الأربعاء يحتفي بذكرى رحيل فيلليني: «الحياة حلوة».. الحضارة الأوروبية بين الشيخوخة وضرورة الاعتراف

ملصق الفيلم
ملصق الفيلم

محمد عبد الرحيم:
برعاية نادي الكويت للسينما يقيم استديو الأربعاء، احتفالية طوال شهر أكتوبر، بمناسبة ذكرى رحيل المخرج الإيطالي الكبير فيدريكو فيلليني (20 يناير 1920 ــ 31 أكتوبر 1993 ).

ويعتبر فيلليني من أهم مخرجي العالم، لوجهة النظر التي رأى من خلالها هذا العالم، وأخضعه لرؤاه وأحلامه، حتى وإن كانت بداياته وفق معايير الواقعية الجديدة، التي تمثلت في فيلمه «الطريق»، إلا أن فيلليني كان يريد أن تتحدث السينما كما يرى هو الأشياء، لا كما تبدو، ومن هنا نجده يرسم تفاصيل الحياة من حوله من خلال سيرته الذاتية، سواء في أحداث كاملة، أو من خلال هواجس لم تتحقق على أرض الواقع، فكل حكاية من حكايات فيلليني حلم ينتمي إلى حلم كبير هو حياة فيلليني نفسها.

وقد بدأ استديو الأربعاء عروضه بفيلم «الحياة حلوة – 1960»، بطولة .. مارشيللو ماستورياني، أنوك أيمي، إيفون فرونيو، وأنيتا إيكبيرج.

مدينة أشباح

روما التي يراها فيلليني في الفيلم لم تعد تمتلك تقاليدها الدينية الشهيرة، التي أصبحت مجرد ديكور وهمي يمكن نقله من مكان لآخر، وها هو تمثال المسيح يعبر فوق المدينة، مربوطاً في طائرة، ليُطالعه الجميع، وقد احتفظ له العصر بإيماءة رأس مرتفعة حفظاً لماء الوجه، هذه الوجوه التي ترتفع لترى أو تلمح التمثال، ويبدو التعاطف الشديد مع المشهد، رغم اختلاف الفئات التي تراه، وقد أصبح لا يستطيع الطيران بمفرده!

هنا يأتي دور الآلهة الجدد للمدينة، الصحافي الباحث عن أية أخبار، الفضائحي والدعائي منها، الهارب من طبقته، والمتعلق بطبقة أخرى يبدو لديها كخادم مطيع ينتظر الفرصة، تتمثل هذه الفرصة في علاقته بامرأة ثرية، تحاول الوصول إلى الحب الحقيقي من خلال الجنس، تبحث ولا تجد، كما صديقها الصحافي، الباحث عن تهدئة لقلقه الطبقي من دون أن يجد، هذا القلق يتمثل في عشيقته القريبة من هذه الطبقة التي يود هو نسيانها، عشيقته المنهارة، والخائفة من انتهاء العلاقة بينهما، فتحاول الانتحار، ويتم إنقاذها في اللحظات الأخيرة، لتعود إلى بيتها، وكأنها في حجرة اعتراف، لا تجد ماذا تقوله أو تعترف به حتى بينها وبين نفسها.

تتشعَّب الحكايات بين زيارة ممثلة أميركية يحاول الصحافي التملق والوصول إليها، وهو يراها كمثال لامرأة هي الوحيدة التي تستحق هذا اللقب على وجه الأرض، وبين مُنتج للأفلام، يحاول الصحافي أن يقنعه بأنه سيقوم بتأليف رواية، فيشجّعه المنتج بأنه سيجد سبيلاً لنشرها، وبما أن المنتج يعاني هو الآخر من حالة العبث التي يعيشها، فهو يحلم بعالم آخر أكثر هدوءاً وواقعية وسلاماً، عالم السينما والفن القديم، ولا يعرف كيف سيأمن على أطفاله وسط عالمه الآني، فيقرر في النهاية وضع حد لهذا القلق الوجودي، بأن يقتل أطفاله وينتحر، فلا يجد الصحافي إلا الكتابة الفعلية لروايته، ومحاولة الحياة مع عشيقته من جديد، فقط محاولة.. ربما.

خطايا أوروبا

لم يكن فيلليني يعبّر إلا عن أوروبا ككل/ حضارة كاملة كان يراها إلى زوال، حضارة رأى حربها ونتائجها، حضارة تشيخ وتنهار، ولم تكن إيطاليا إلا المجاز عن أوروبا، حضارة هجرها إلهها، ولم يعد في استطاعته إلا النظر إليها ــ كتمثال ــ مقيّد إلى طائرة، وما توتر المنتج السينمائي بين عالمين وزمنين مختلفين إلا توتر أوروبا، وتمثل الحل في رأي فيلليني في الانتحار، حتى يتم التخلص من هذه الحالة المزعجة، وفي مقابل ذلك تأتي الفتاة الشابة ــ الممثلة الأميركية ــ التي لم تزل تندهش من مشاهدة دجاجة في الطريق، وتشتري زجاجة لبن لجرو جائع، وتصعد سلالم الكنيسة المرتفعة في ثقة وقوة، بخلاف الصحافي مُدّعي الفحولة، الذي بالكاد يلهث من صعوده الدرجات، ولا يستطيع سوى القول المُنمَّق، الذي لن يفيده في شيء، سوى محاولة الكتابة من جديد، وربما تكون كتابة صادقة هذه المرّة، إلا أن فيلليني يسخر من نوايا أبطاله تماماً، كما يسخر من حضارة استمرت زمناً، وآن لها أن تختار حجرة اعترافها بإرادتها، قبل أن تودع مصحات العلاج النفسي.

الأمر نفسه يكرره فيلليني في فيلمه المُتقدم «بروفة أوركسترا»، فأصحاب الآلات يستعدون للبروفة، وكل منهم ينتظر المايسترو، الذي يستعد في حجرته، في حالة من الهدوء الشديد، فكان الوقت المتاح لكل عازف بأن يفعل ما يحلو له.. من ضبط آلته، إلى سماع الأخبار بالمذياع، وحتى ممارسة الحب مع امرأة من الفرقة، حتى تتشقق جدران المبنى العتيق الذي يقومون فيه بالبروفة، ويكاد يتحطم ويسقط فوقهم، هنا يخرج المايسترو، الذي حاول الحفاظ والاحتفاظ بهندامه وهدوئه الرصين جداً، ليُكلله الغبار المتساقط حوله وحول فرقته، ويصرخ فيهم صائحاً بالألمانية «اصمتوا»، لينتبه الجميع، وتبدأ الفرقة في عزفها مقطوعة في قمة التناغم!

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *