الرئيسية » قضايا وآراء » ناصر العطار : هل التفكير من حق الشباب؟

ناصر العطار : هل التفكير من حق الشباب؟

ناصر العطار
ناصر العطار

وقفت قبل سنوات عديدة أمام رجل وقور ومثقف وملتزم دينيا، يحدثني بلغة مُحبَطة عن فراغ الشباب الوقتي والذهني، حيث لا نملك – برأيه – شبابا واعين، وهو يأمل، كما قال لي، أن تمتلك أوطاننا شبابا كأمثال رموز دينية يتصفون بالشجاعة والإقدام قد ذكرهم وفق معتقداته المذهبية.. حينها لم أكن أمتلك تساؤلات، كما هي الحال الآن، فسكتُ ولم أجبه.. إلى أن تكرر قبل أيام قليلة المعنى ذاته في موقف آخر كنت حاضراً فيه، استمعت من خلاله لأم طيبة تتمنى من ابنها أن يصبح إنساناً حراً كمثل رمز ديني مُقدس ذكرته يمثل الحرية وفق معتقداتها المذهبية، والتي تختلف عن المعتقدات المذهبية للرجل الوقور، فلما استمعت لما قالته الأم لابنها، تذكرت ما قاله الرجل لي قبل سنين، وتساءلت بصمت عن تأثير هذه الآمال والأمنيات على الشباب، حيث يتم جرّهم لماضٍ مُختلف عليه لكل مذهب فيه، رأي مستند إلى معتقدات قاطعة يرفض في الغالب أتباعها إعادة النظر فيها، والنتيجة أن ينقسم شبابنا على مستوى الوطن والأمة لكيانات متحاربة لا تنظر لحاضرها ومستقبلها، بقدر ما تتشوق لاسترجاع الماضي السحيق، بصراعاته وخلافاته، فحين نأمل ونتمنى – حتى لو بحسن نية، كما في حالة الرجل الوقور والأم الطيبة – من الشباب، كل وفق معتقداته، أن يضع نصب عينيه الرموز الدينية كمثل أعلى وقدوة حسنة، فإننا بغير قصد نشعل بهم الطائفية، والأسوأ من ذلك نربيهم على تجاهل، ولن أقول احتقار ذواتهم وقدراتهم الشخصية، وما يمكن أن يصنعوه بأيديهم ويحبوه بأنفسهم.. وكل هذا في سبيل المعتقدات المذهبية التي سيتعصب لها بعض الشباب، بعد أن ينقسموا حول الرموز الدينية وينغمسوا في التمثل بها.

لقد كفل دستور الكويت في مادته رقم 35 حرية الاعتقاد، لكن هذه السماحة الكويتية التي عكسها الدستور لا تكفي، بل لا تعجب بمعنى أصح مَن يصر على سيادة معتقداته على الناس وبأفضلية رموزه الدينية على رموز الآخرين.

والمحيط العربي والعالم بأسره بتجاربهم الإنسانية العظيمة وبتحدياتهم الحالية والقادمة أين يقعون في أجندة اهتمامات الشباب؟ هل استسلم الشباب العربي لانقسامات التربية المذهبية؟ وهل ما جسَّده الإنسان العربي الذي حلَّت ذكرى وفاته الرابعة والأربعين يوم الأحد الماضي كان سرابا غلبته الطائفية المغروسة في نفوس البعض منا والمدعومة من أغلب حكوماتنا العربية؟ وهل المقاومة الشعبية الهائلة التي أنارت غزة ضد عدوان إسرائيل ومن دعمها ولزم الصمت حيالها ورمى بمسؤوليتها على الفلسطينيين لا تعني شيئا للشباب العربي؟ هل الشباب العربي لم يعد عربيا، وما الربيع العربي إلا مؤامرة يبتغي منها من حاك خيوطها تفكيك الأمة الموحدة، والتي تنعم شعوبها بالديمقراطية؟

إن جواب كل سؤال مما فات ذكره أتصور أنه صريح، فلا الشباب العربي يستطيع القبول بالتربية المذهبية، لأن تحديات العصر تفرض تنويريا وتلاقيا، وما جسده الإنسان العربي الراحل لم يكن سرابا، لأن سلبيات مرحلته كانت مؤثرة، وبقدر ما تكون السلبيات مؤثرة، تكون الإيجابيات أوقع أثرا.. أما مقاومة غزة، فغياب أثرها على الشباب العربي لا يتعلق بها، بل بغياب الديمقراطية عن شعوب الأمة.. لذلك، فإن الربيع العربي ليس مؤامرة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *