الرئيسية » رامي مهداوي » رامي مهداوي : عائد من فلسطين

رامي مهداوي : عائد من فلسطين

رامي مهداوي
رامي مهداوي

أعود اليوم من خلال كلماتي هذه، بعد أن غادر جسدي الأم الحاضنة لي ولعائلتي وأقربائي وأبناء وطني.. لم أكن أتخيل في يوم من الأيام أنني سأتواصل مع «ربعي» وأهلي وعشيرتي وأبناء الأم الحاضنة، الأبناء البيولوجيين لها «أهل الديرة». عندما تم إعلامي بأن هناك مساحة ستخصص لنشر مقالي بشكل أسبوعي مع صحيفة «الطليعة»، تصادمت المشاعر المتضاربة بعضها البعض، لأصبح في حالة تيه، ما بين طفولتي والمستقبل.. الطفولة تم استحضارها كطيف بشكل شهادة الميلاد، وما تحمله من معلومات.. الاسم، الجنسية، الديانة، تاريخ الميلاد، مكان الولادة: الفروانية/الكويت، والمستقبل استحضرته بسؤال ذاتي لذاتها: عن ماذا سأكتب لأهل الديرة؟!

عند النظر إلى شهادة الميلاد، نستطيع الاستنباط أن جميع ما يرد في تلك الشهادة من معلومات هي ليست باختيار صاحبها، وتختلف تلك المعلومات باختلاف الزمن والمكان والقوانين المدينة. وكل إنسان على كوكب الأرض يتفاعل مع تلك المعلومات ضمن ما يتلاءم مع الذات والمحيط.. تلك المعلومات تشكل هوية الفرد، وهويتي أنا، كاتب هذا المقال، هي جميع مراحل حياتي، وما تأثرت من عمليات تأكسد واختزال/ كسب وخسارة لتلد الثقافة، بكل ما تحمله من إرث معرفي، عادات وتقاليد، مروراً بالطعام والموسيقى والملابس، وصولاً إلى الهوية الوطنية بالرمزية والتاريخ.. ففي كل صباح كنت أرفع العلم الكويتي – كنت بكشافة مدرستي الزهراوي والمباركية – وأقوم بأداء تحية العلم وأصواتنا تنشد:

وطني الكويت سلمت للمجد
وعلى جبينك طالع السعد
يا مهد آباء الأولى كتبوا
سفر الخلود فنادت الشهب
الله أكبر إنهم عرب
طلعت كواكب جنة الخلد

في منزلي، وبالتحديد بغرفة الضيوف في إحدى زواياها كان يقف العلم الذي أقوم بتحيته كل صباح، وعلم آخر شبيه له بجانبه، كان أبي وأمي يسموه «علم بلدك».

ومع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية عام 1987 بدأت أراكم معرفة وطنية وتاريخية جديدة، وأصبحت الأمور تتجاوز مفهوم العلم والقائد والنشيد الوطني، فبدأت أميّز بين الأم البيولوجية والأم التي قامت بتربيتك بأحضانها من خلال أرضها.. بحرها… وتنفس الأكسجين الذي يتنفسه أولادها.. درست بمدارسها وتداويت بمستشفياتها (المستشفى الأميري)، أو بعياداتها (مستوصف الفروانية)، وشاركت ببرامج الأطفال التلفزيونية (ماما أنيسة)، وكنت مشجعا متطرفا لمنتخب كرة القدم الكويتي ولنادي العربي.. تعلمت السباحة ببحرها والصيد بصحرائها (البر).

من خلال صحيفة «الطليعة» سيعود ابن الديره إلى «ربعه»، بعد أن عاد إلى أمه البيولوجية، فلسطين، بسبب غزو الكويت في 2 أغسطس عام 1990.

لم يكن من السهل أن يتم اقتلاعي من حضن أمي، تلك الأم التي ربتني وعلمتني.. أتذكر ما قاله أبي في ذلك الوقت «نكبة فلسطينية جديدة، بسبب هذا الغزو.. الضحية الثانية بعد الكويتي هو الفلسطيني».

لابد أن أتذكر في هذه الافتتاحية الشهيد ناجي العلي، رسام الكاريكاتير الفلسطيني الأول الذي عمل عام 1963 كمحرر ورسام ومخرج صحافي مع صحيفة «الطليعة» الكويتيه وصحف كويتية أخرى، مثل: السياسة، القبس.

رحل ناجي العلي جسداً، بعد اغتياله في لندن عام1987، لكن رسوماته وكلماته مازالت تتنفس عند جميع الأجيال العربية. إذاً، سأكتب لأول مرة خارج فضاء الأم إلى فضاء أم أخرى احتضنتني.. سأكتب أينما كتب ورسم ناجي العلي.

هناك الكثير من المواضيع في جعبتي أود الحديث عنها لكم بمختلف المجالات، الثقافية والفنية والأدبية والسياسية، على الصعيد الفلسطيني أو العربي.. سأكتب عن العادات والتقاليد في مجتمعي، وأقص قصص الشهداء والأسرى والجرحى التي لا يتم تداولها بنشرات الأخبار في القنوات الفضائية.. سأبني الجسور ما بين الكويت والقدس.. بين قريتي (شويكة)، والمدينة التي ولدت بها (الفروانية).. بين هواء رام الله وهواء السالمية.. بين شوارع جنين، طولكرم، الخليل نابلس، حيفا، أم الفحم، وشوارع الجهراء، خيطان، الأحمدي، بين بحر عكا وبحر جزيرة فيلكا.

سأحاول أن تكون المساحة المخصصة لي للكتابة تشبه كاتبها قدر الإمكان.. لا يجب وضع إطار عام تقليدي للمقال، شكلاً ومضموناً.. لهذا سأحاول طرح أسئلة يعتبرها البعض ممنوعة.. حرام… ضمن العقلية الراديكالية الديكتاتورية بالمفهوم الأبوي الشمولي، وسأنظر إلى ما وراء المشهد الثقافي، وبالتالي سأقوم بتسليط الضوء، ليس على من يقف على خشبة المسرح، بل على من يقف خشبة الحياة بشكل يومي، ليخلق وقائع تؤثر في حياتنا اليومية.. سأقدّم لك عزيزي القارئ أسئلة نفكر بها معاً، وليس إجابات جاهزة، مثل الوجبات السريعة التي بدأت تغزو أسواقنا، بعد أن بدأت المجتمعات الغربية برفضها، حفاظاً على الصحة العامة. سأتواصل مع كل قارئ بالتعليقات الإيجابية والسلبية، وأستمع لوجهات النظر المختلفة.. كونوا معي في رحلتي التي ستنطلق كل أسبوع عبر صحيفة “الطليعة” من فلسطين إلى الكويت.

* كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *