الرئيسية » ثقافة » «طيارة من ورق».. البحث عن مُعجزة في العالم الآخر

«طيارة من ورق».. البحث عن مُعجزة في العالم الآخر

لقطة من فيلم طيارة من ورق
لقطة من فيلم طيارة من ورق

كتب محمد عبدالرحيم:
برعاية نادي الكويت للسينما، عرض استديو الأربعاء أخيرا، ضمن عروض شهر الأفلام المُستقلة، فيلم «طيارة من ورق» إنتاج عام 2003، والحاصل على جائزة لجنة التحكيم الخاصة من مهرجان فينيسيا الدولي في العام نفسه.

الفيلم بطولة فلافيا بشارة وزياد رحباني، ومن إخراج رندا شهال، وهو محاولة سينمائية للبحث عن حل في ظِل أزمة الصراع العربي – الإسرائيلي، إلا أن الواقع أشد وطأة من الخيال، حتى في عالم السينما، فلم يجد الفيلم حلاً، إلا من خلال الأمنيات في العالم الآخر، أو عالم الأموات، وهي مفارقة غريبة، لا توقفها غرابة جنسية الفيلم، الذي موَّلته فرنسا بالكامل، فهو عربي المكان، والعاملون فيه عرب ، لكنه فرنسي التمويل.. والفيلم تصنف جنسيته بالأخير وفق جهة الإنتاج، من جهة أخرى، فالفيلم لا ينتمي لأفلام السينما المستقلة، فهو وإن اعتمد على مصادر تمويل خارجية، إلا أنه في النهاية يحتمي بميزانية إنتاجية معقولة، اللهم إذا كان الاستقلال يبدو في الابتعاد عن الجهات الرسمية والمؤسسات الحكومية!

الأحداث

تدور أحداث الفيلم في قرية حدودية تقع بالقرب من الحدود اللبنانية – الإسرائيلية، وتضم عرباً من طائفة الدروز، وبإقامة الحدود انقسمت القرية إلى نصفين، أحدهما في الأراضي اللبنانية، والآخر داخل حدود الاستيطان الإسرائيلي.. وعن طريق مكبرات الصوت يتم تبادل الأخبار بين سكان القرية، حيث يتوزع الأهل والأقارب بين الحدود الوهمية التي أقامها الاحتلال.

ولا تشهد هذه الحياة سوى جندي برج المراقبة الإسرائيلي، ليسجل بعض الملاحظات حول أحاديث أهل القرية من الجانبين ويرسلها لقادته.

وبين الأطفال وألعابهم، وخاصة الطائرات الورقية المسموح لها بتخطي هذه الحدود وفق اتجاه الهواء وشدته، تظهر لمياء المراهقة، التي تقيم بالجانب اللبناني، و تلعب بطائرتها الورقية، والتي يقرر أهلها تزويجها من أحد أقاربها المقيم بالجانب الإسرائيلي، لتعبر الحدود وحيدة في ثوب عرسها، وتخبر زوجها الرسمي بعدم حبها له، وأنها أرغمت على الزواج به، ليخبرها بأن حالته هي حالتها نفسها، وتعود إلى أهلها بعد طلاقها.

لم تجد لمياء سوى جندي المراقبة، القابع في وحدته يراقب الجميع، والذي صرخ فيها من قبل، محذراً إياها عندما كانت تلهو بطائرتها، من لغم قريب، والتي طالعته عن قرب في رحلة السعي مرّة في زي الزفاف، وأخرى بعدما أصبحت حُرة، لم تجد سوى هذا الرجل، لتبادله مشاعر الحب، وهو بالتالي يقع في حبها، وتعود إليه ذات يوم، إلا أن اللغم الذي حذرها منه سابقاً، يصبح هو النهاية في هذه الحكاية المحكوم عليها بالموت، وتتخيله لمياء وهي في العالم الآخر أو عالم الحلم، وتطلب منه أن يتخلى عن زيه العسكري، حتى يستطيعا معايشة الحب، في تحرر كامل من القيود والأفكار المُصطنعة. لم تكن مخرجة الفيلم بأفضل حال من بطلته، فقد سارت هي الأخرى فوق لغم «التطبيع»، وكان عليها اللجوء للخيال، حتى تخرج من هذا المأزق، والعمل السينمائي وتأويله وتجهيز قائمة التهم المُعدة سلفاً أمر معروف في عالمنا العربي، فالموضوع شائك بطبعه، أي محاولة للاقتراب من معالجة الأمر، ولو حتى بالخيال لن يُرضي المناضلين، فقصة الحب التي غلفت إطار الحكاية، وخلقت عالماً يدور حولها، من الممكن أن تحدث، وبالتالي تصلح كموضوع فني، والسؤال هو.. ماذا لو كان العكس هو الذي حدث، بأن تحب فتاة إسرائيلية مُجندا عربيا؟! فالتأويلات وفق عقول أصحابها لا ترى إلا من منظور ضيق.

المخرجة نفسها كانت تدور في فلك الفكرة الأكبر، الخوف من الاتهام بالتطبيع، أو إيجاد حل على أرض الواقع، حتى لو من خلال فيلم سينمائي، لذا لم تجد إلا حلاً خيالياً يأتي من العالم الآخر.. عالم الأموات، وأيضاً لم تسلم من تهمة التطبيع، بالضبط كطائرتها الورقية التي ضلت السبيل، فسقطت من فوق صراطها المستقيم في جحيم الأفكار والتهم جاهزة التحضير.

أما الفيلم على المستوى البصري ولغة الصورة، فهو بمستوى جيد، من حيث تكوين الكادرات، وتجسيد الجو النفسي للشخصيات، من عزلة الفتاة بين أهلها الذين يرغمونها على الزواج من شخص لا تعرفه، وعزلة الجندي الشاب، الذي جاء رغماً عنه من دون اختيار، إضافة إلى أداء الممثلين، وخاصة في لحظات الصمت والتأمل والوحدة.

لن تنضب هذه المحاولات التي تدور حالمة حول تخوم الواقع، وكما نجح إيليا سليمان في تجاوز سور الجدار العازل، وكأنه لاعب قفز بالزانة، في فيلمه «الزمن الباقي» تقابلت لمياء مع حبيبها بعد موتها، في طيارة من ورق.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *