الرئيسية » قضايا وآراء » ناصر العطار : خامنئي

ناصر العطار : خامنئي

ناصر العطار
ناصر العطار

لن أخفي المشاعر التي تملكتني، حين قرأت ما كتبته النسخة التجريبية من جريدة قدس الأسبوعية، والتي تصدر في إيران، نقلاً عن لقاء جمع مرشد الثورة الإسلامية السيد خامنئي مع أعضاء مجلس الخبراء، طاف من خلاله خامنئي حول أوضاع العالم والمنطقة والبلاد كما ذكرت الجريدة، ووصلت بقراءتي لفقرة يقول فيها وفق ما ذُكر بالنص: «إن أنصار نظام الجمهورية الإسلامية في المنطقة هم العمق الاستراتيجي لنا، كما أننا نمتلك في أميركا اللاتينية وأجزاء من آسيا أيضا عمقا استراتيجيا، حيث علينا الاستفادة منها جميعا بشكل صحيح».

هنا انتابتني مشاعر ملتبسة وممزوجة، ما بين تفهم وحسرة وغضب وطمأنينة، فما قاله الرجل الأكبر قيمةً ومقاماً في إيران لا يتطلب تسرعا بالفهم وإطلاقا للأحكام، لكنه يتطلب وقفة ينبغي عدم تجاوزها.. تفهمت ما قرأته أن إيران ليست استثناء عن الدول التي تمتلك وسائل في سبيل تحقيق أهدافها، من بينها أن تكسب أنصارا وأصدقاء ويكونوا على حد تعبير خامنئي عمقا استراتيجيا، وهذا الهدف يعني أن إيران، ككل الدول، ليست حامية لدين ما ولا رافعة لراية مذهب ما، فلا يمكن لدولة – أي دولة – أن تعيش وتبقى وتنمو وتزدهر وتقدر على مواجهة الصعاب، إلا وفق مصلحة شعبها وإرادته، ولكن منذ أن قامت ثورتها الإسلامية عام 1979 وإيران ترتدي عباءة الدين، بعدما كانت موالية للغرب وإسرائيل، وهذا الرداء من بين أسباب أخرى لا تتحمل إيران مسؤوليتها أشعل لهيبا في منطقة لا تعرف حتى اللحظة أهي أمة عربية أم إسلامية؟ ولا تزال عقليات الكثير من أهلها تعاني التجمد، رغم كثير من ثورات التحرر الفكري والسياسي التي اجتاحت المنطقة في القرن التاسع عشر والقرن العشرين.

إن هذا اللهيب خلق أنصارا لإيران وأعداء على أساس الدين، فيما هي، وعلى لسان مرشدها، تتحدَّث عن أهدافها ووجودها كدولة، فهل يستفيق بعضنا من الجري خلف الانتصار أو العداء للرداء الديني والنظر لمصلحة الأمة بواقعية؟ فالأمة العربية قبل عقود مضت امتلكت عمقا استراتيجيا في أنحاء العالم كله، عندما شاركت شعوبها الطامحة نحو التحرر، بل كانت هي الدافع له والمساند، منذ انعقاد مؤتمر باندونغ عام 1955 إلى تأميم قناة السويس عام 1956 إلى إنشاء منظمة عدم الانحياز عام 1961، وكلها علامات إنسانية ساهمت بها الأمة العربية، أضاءت للعالم دروب الحرية، لكن على ما يبدو لم تكن وإلى الآن أغلب حكومات الأمة مقتنعة بهذا المسير، فوقع الانحراف وتم إذلال الإنسان في الأمة وسلب حريته بأكثر من أسلوب، فهل في الأمة الآن من يعيد الاعتبار للإنسان؟ والسؤال الأكثر إلحاحا ما زال مطروحا، وهو هل ينفع العمق الاستراتيجي للدول، والمواطن فيها لا يشعر بالحرية والأمان المجتمعي؟

لا أظن أبدا أن تحالفا تقوده السياسة الأميركية، بمشاركة عربية، يملك إجابة عن هذا السؤال، حتى وإن كان التطرف هو عدو هذا التحالف، فهذا التطرف أداة تمَّت صناعتها أو استغلالها من قِبل أغلب حكومات المنطقة والغرب، وفي الحالتين يبقى السبيل لمواجهته هو نيل الإنسان العربي حريته ومبعث الطمأنينة هو أن هذا الإنسان يخوض الآن صراعا عسيرا لنيلها، محاولا الانعتاق من دون أن يعتمد على العنف، ما يعني أنه صراع قائم على العقل، وصراع كهذا لا تحسم نتائجه بسرعة وفي كل الأحوال، فإن المياه في الأمة لم تعد راكدة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *