الرئيسية » قضايا وآراء » ماجد الشيخ : المهام الخلاصية وسلوك الوحشنة والفحشنة

ماجد الشيخ : المهام الخلاصية وسلوك الوحشنة والفحشنة

ماجد الشيخ
ماجد الشيخ

أولئك الذين يضعون على عواتقهم مهام خلاصية، باسم المقدس الديني، لا يتورعون عن ارتكاب الجرائم بحق الناس، وهذه الجرائم من الكبائر التي نهى عنها النص الديني والنصوص الحافة الأخرى. فبأي حق يرتكب هؤلاء ما ليس من حقهم ممارسته، وبأي حق يمكن أن يستمر هؤلاء يحسبون على الدين، والدين منهم براء؟ وبأي حق تسلك السلطة أو السلطات الدينية، ما ليس من نواميس الطبيعة أو الدين، إلا إذا كانت أفهام هؤلاء وأولئك قاصرة عن بلوغ العقل، وقاصرة عن بلوغ التفكر والاستنباط والفهم الصحيح لما قرأوه أو يقرأونه.

في كل الأحوال ليس النص مجردا عن حامله، وهو بالأصل لم يكن مجردا عن مبدعه، وبالتالي النص ينطق بما يقول الحامل الذاتي والموضوعي، وفي حالتنا اليوم، يقوم النص مقام الغياب أو التغييب، وفي هذه الحالة، لا يسجل إلا لحضور طاغ لنزعات مسبقة، أيديولوجية في طابعها وسماتها كلها.

حضور العقل الوحشي، على حساب العقل النقدي، حضور السلوك الوحشي على حساب مسلكيات التهذيب وأخلاقيات الناس كما في كل زمان ومكان، أخلاقيات المشترك الإنساني، بعيدا عن أخلاقيات التوحش، وإعلاء كلمة الوحشنة والفحشنة، في سلوك أفراد ومجموعات ونخب تنتمي إلى هلام ويوتوبيا تدعى «الدعشنة»، لا ينتطمها أي ناموس، ولا يحتويها أي قاموس، بل هي إلى الهوام أقرب، وهي تستبيح كل شيء، وتسلب الحياة من كل شيء، اعتقادا منها أنها أقرب إلى المقدس، وهي تشعل «حروب داحس والغبراء» و«فتن داعش والناس»، بهدف تدمير الدولة، وتفتيت اجتماعها البشري، وتهديم العمران، وقتل الإنسان، في كل مكان حلت أو قد تحل فيه.

هكذا من الاستبداد السياسي السلطوي، إلى الاستبداد الديني، وصولا إلى الحالة «الداعشية»، تقلبت وتتقلب بلادنا على جمر التحولات المضادة، والثورات المضادة، التي أسست وتؤسس لحروب أهلية متواصلة، ومستمرة بفعل وجودها ذاته، ذاك الوجود المبني على احتقار العقل، وترذيل كل ما يصدر عنه، واتباع مسلكيات وحشية تتسلط وتتسيد في الواقع باسم المقدس الديني، وباسمه تريد أن تفرض بالإكراه، ولو من دون غلبة، سوى غلبة السلطة والنزوع السلطوي، والروح الخلاصي الزائف الذي أدمن ارتكاب المعاصي، والكبائر حتى، تلبية لنداء الجنون السلطوي، وأمراض السلطة المتحولة إلى غول من الفحش والسلوك الوحشي غير المسبوق، في مجتمعات يجري تفتيتها، وشعوب يجري تذرير مكوناتها، واللعب بها وتقديمها لقمة سائغة للغة الفتنة والقتل على الهوية، ومحاولة إنهاء تعدد وتنوع تلك المكونات، وهي التي كانت قد وجدت بالأصل، قبل أن توجد تلك المرجعيات التي يستند إليها «الداعشيون» وأضرابهم، في سلب حقوقها المواطنية والإنسانية، فهل هناك ظلم أكثر من هذا، أن تسلب مواطنا مواطنته في بلده وبين أبناء جلدته، وتفرض عليه الغربة والنفي والتشرد في بلاد الآخرين وأوطانهم؟ وفوق هذا وذاك يريد غول «الدولة الوحشية» أن يبتلع الدولة ومنطقها في بلادنا، محولا إياها إلى دولة هامشية، لا تحمل من الدولة سوى الاسم، بلا مبنى وبلا أي معنى.

 لم يقل النص الديني – أي نص – إن مهمة الخلاص تنحصر في نخبة تضع على عاتقها هذه المهمة، وتريد أن تطبق ما جاء في النص، هناك تزوير لمهمة الخلاص التي لا يمكن أن تكون فردية أو نخبوية، أو تخضع لتأويل أحادي، بعيدا عن مفاهيم الجماعة أو الإجماع، وما يقوم به بعض قوى «الإسلام السياسي»، ومن يقف على يمينهم من تكفيريين، خروج عن النص: نص الإجماع والجماعة، والنص الديني بما هو «النص المقدس» كما تعرّفه جماعة المؤمنين.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *