الرئيسية » آخر الأخبار » الفارون من جحيم الموت في غزة وسوريا والعراق.. «وليمة لأعشاب البحر»* أو جثث طافية على الشواطئ

الفارون من جحيم الموت في غزة وسوريا والعراق.. «وليمة لأعشاب البحر»* أو جثث طافية على الشواطئ

جثث المهاجرين العرب على شواطئ الغرب وصمة عار في جبين الأنظمة الديكتاتورية
جثث المهاجرين العرب على شواطئ الغرب وصمة عار في جبين الأنظمة الديكتاتورية

كتب محرر الشؤون العربية:
انتحار الحيتان ووصولها بأعداد تفوق المائة إلى شواطئ أستراليا ونيوزيلندا ظاهرة بحرية سنوية احتار العلماء في تفسيرها، فأتت اجتهادات عدة بشأنها.. حيتان ضخمة نافقة ملقاة بأجسامها الضخمة على الشواطئ.. ليس جميع أنواع الحيتان يمارس هذا الانتحار الجماعي، بل الحيتان ذات الأضراس.. هل التلوث البحري هو السبب؟ أم نهاية أعمارها؟ أم نقص الأوكسجين في أجسامها؟ لا يوجد يقين حاسم حول هذه الظاهرة.

المؤلم أن شواطئنا العربية تشهد أيضا في السنوات الأخيرة ظاهرة إنسانية رهيبة، تتمثل بتلك الجثث الملقاة على الشواطئ، وآخرها أعداد كبيرة لفظها البحر.. هي رحلة لمجموعة من خمسمائة إنسان، أغلبهم عرب، من غزة وسوريا ومصر، اقتادهم أحد أرباب السفن في رحلة هجرة غير مشروعة، لإيصالهم لأحد الشواطئ الأوروبية، وتحديداً إلى إيطاليا.. خمسمائة نفس هاربة من الحروب في غزة أو سوريا، على أمل أن تحيا حياة إنسانية كريمة.. جميعهم غرقوا، عدا عشرة منهم نجوا بأنفسهم من مياه البحر.. الآخرون غرقوا، ومنهم عشرة من أسرة واحدة.. علينا تصور حالة ذويهم عندما علموا بمصير أبنائهم الذين ابتلعتهم مياه البحر المتوسط وخانتهم مافيات التهريب.

أسباب معلومة

جثث ملقاة على الشاطئ والأسباب معروفة، فهم يهربون من غزة، من جرَّاء الحصار الذي يُمارس على مليون وثمانمائة ألف من البشر في سجن كبير، وما بين فترة وأخرى تشن إسرائيل غاراتها الوحشية، مدججة بكل آلات القتل والدمار.. هي ليست محاولة لتحسين الوضع المعيشي، بل هروب من الموت لموت آخر.. آخرون ضحايا الحرب السورية وأمراء الحروب الذين يصبون الزيت النفطي الخليجي على النار السورية، لتزيد اشتعالا، بهدف أن تكون سوريا الدولة محطمة ومهمشة بالكامل، لا تستطيع بعد ذلك إعادة نفسها، دولة عاجزة بالكامل تقتات من حسنات الآخرين، بما تجود أيديهم.. وهذا هدفهم ومرادهم. حال شعوبنا العربية وصل إلى مثل هذه الصورة المؤلمة، جثث لفظها البحر على الشاطئ، وأخرى أصبحت طعاما لأسماك البحر، أو لاقت نفسها في شواطئ أخرى.. شعوب تنعم دولها بخيرات من كافة الأنواع، ولكنها تعاني الجوع، فيضطر أبناؤها للتعلق بمراكب صغيرة، هربا من بلدهم الأم، على أمل الوصول إلى بلدان تحترم الإنسان، ولو بقدر قليل.

ظاهرة قديمة

حالات الجثث الإنسانية الطافية في البحار ظاهرة بدت منذ عقود، مواطنون أفارقة توجهوا إلى سواحل أوروبا، كانوا ضحايا مافيات التهريب، بعضهم وصل إلى الساحل الأوروبي، وآخرون كان مصيرهم الغرق.. آخرون من العراق أيام صدام ابتلعهم المحيط عند توجههم إلى أستراليا.. هذه المرة أغلبية الغرقى من غزة وسوريا، غزة التي حرمها الصهاينة من قوت الطعام اليسير، و«جارتها العربية» شدت عزمها على هدم الأنفاق، وإقفال المعبر، فحوصر أبناؤها من إسرائيل، بحراً، وعاشوا في ضنك العيش والبطالة، لتأتي دولة العدو في يوليو (تموز) الماضي وتجرب عليهم أسلحتها الفتاكة.

سوريا طال أمد أزمتها، ومَن كان يتصور أن فترة اللجوء لأشهر ستمتد لسنوات، وسط موت يومي يحل بأهلها، من رجال ونساء وأطفال، في حين يحضر «اليانكي» الأميركي المزيد من أدوات القتل والدمار، وأيضا بتعاون وثيق مع بعض الدول، التي تسمى جزافاً عربية؟!

الجثث الإنسانية في البحر أو الشواطئ ما هي إلا نتاج هذه الأنظمة، التي لا تعرف من الإنسانية شيئا، ولا تكترث إلا لحياتها بالتطبيب والمعالجة ومداراة النفس بشتى أنواع اللهو.. أنظمة ديكتاتورية بالمضمون، مهما غلفت نفسها بأوراق زاهية.

وهكذا وصلت حالنا، كحال الحيتان.. جثث بشرية ملقاة على الشواطئ، ولايزال الحكام يحكمون.

*عنوان رواية للكاتب السوري حيدر حيدر

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *