الرئيسية » قضايا وآراء » محمد الشحري : عرق الآلهة وحنايا العُماني

محمد الشحري : عرق الآلهة وحنايا العُماني

محمد الشحريوقعت بين يدي منذ فترة رواية (عرق الآلهة) للروائي اليمني حبيب عبدالرب سروري، الصادرة عن دار رياض الريس عام 2008، وهي من الروايات التي كتبت بأسلوب علمي شيق، تقول عنها الكاتبة وميض عبدالرحمن اليماني في مجلة نزوى العدد السادس والخمسون، 2009 «يدرك قارئ الرواية، حتى قبل أن يفرغ منها، أنها بُنيت وفق تصميم هندسي أُعد سلفا، فهيكلها المتين بني أولا، ثم قام الكاتب بعد ذلك بملء الفراغات وتوظيف المساحات، أما المظهر الناعم الذي اتسمت به الرواية، والتماسك والاتصال المدهش بين أجزائها، فقد جاء بفضل براعة الكاتب في تقنية السرد الجميل لقصة عشق متفجر (تم استخدامها كخيط ناظم للرواية) بين حنايا العُمانية، وشمسان اليمني (وكلاهما باحثان عربيان متميزان في مجال علوم الكمبيوتر، طردتهما بيئتهما الصحراوية المُجدبة)».

ونظراً لتداخل شخصية عُمانية في أحداث الرواية، وتفردها عن غيرها من الأبطال بسرد معاناتها وبوحها الانثوي، فإني أركز على البطلة حنايا العمانية المولودة في مدينة صلالة من أب عماني وأم إنجليزية يسارية تساند حركات التحرر في الوطن العربي، قبل أن تتعرَّض لنكران عائلي أبعدها إلى موطنها، وبقيت ابنتها في رعاية عمها سلطان بن محمد البوحديد، صاحب النفوذ والسلطة تقول حنايا عن أمها «دفعت أمي الثمن غاليا عندما تخلص منها والدي في عُمان بدعم وتخطيط من عمي، عادت خالية الوفاض للندن، ورغم كل جهودها، لم تستطع استعادتي أو رؤيتي، لعدم وجود إثبات رسمي أنها أمي، ثمة بشر يعشقهم سوء الطالع وتهواهم الخيبات والهزائم مدى العمر». تقول حنايا التي استقرت في لندن، وبقيت على تواصل عائلي مع بعض أفراد عائلتها في عُمان «عندما أضعت أمي كنت في الثامنة من العمر كنا نعيش معا في صلالة في قصر جدي الذي خلّف تسعة وثلاثين ابنا من زوجاته السبع».

يقول السارد في الرواية» عُمان بلد صامت بارد جدا (لا أعني الطقس الجوي بطبيعة الحال، يجيد فن إخفاء نفسه عن العالم، يمارس بمنهجية العزلة والتستر والحياة في الظل، في الزوايا المظلمة الخفية، لو أقيمت حلبة رقص كونية شبابية صاخبة يحضرها ممثل عن كل بلد، فممثل عُمان سيصلها من باب خلفي بالخنجر والعمامة الفولكلورية والقميص التقليدي سيتنحى بوقار في أكثر زواياها ظلمة، ليشرب كأسا من القهوة العربية من دون أن يتحدث مع أحد، سيغادر الحلبة في العاشرة مساء معتذرا (بابتسامة مقتضبة بحشمة وحسن أدب جم) قائلا إن عليه أن يغادر للنوم»، وهي صورة قد تكون غير مفهومة لمن لا يرى العماني إلا بهذا اللباس، الذي هو في حقيقته جزء من الهوية الثقافية التي ترفض الانصهار في بوتقة العولمة.

بقيت حنايا في قصر عمها إلى أن اخترعت كذبة أخرجتها من عُمان، حيث تحدثت مع أمها في الهاتف، وقالت لها «إن جسدي مضرج بالضرب والجراح، لعل هذه العبارة التي اخترعتها ستلعب دوراً أشد في إخراجي سريعا من القصر – قصر عمها- الحق لم يكن جسدي حينها مضرجا بالجراح».. هنا يتكشف لنا أن بعض القضايا الإنسانية يكون مبالغا فيها، لأجل حشد الرأي العام، وتقوم المنظمات الحقوقية بذلك، مستعينة بوسائل الإعلام، وهو ما تذكره حنايا قائلة» في القارة الأوروبية المجاورة مرَّت الأشياء بسرعة خارقة، بعد أن أشهرت أمي المكالمة التلفونية حالا، الصحف والمنظمات الإنسانية التي كانت على علم بملفي منذ سنين، استقبلت المكالمة التلفونية بإدانة ووجوم واستنكار شديدين، اضطرب القصر- قصر عمها – وتزلزلت الأرض تحت أقدام سيده، أرَّقته التصريحات المدوية للصحف البريطانية الجادة، وبشكل خاص المناورات الإعلامية للصحف الصفراء، ولاسيما «ذا صن»، التي تمتلك خبرة مدهشة في تفجير الفضائح وتحريك وشد سخط الرأي العام».

نورد قصة حنايا العُمانية المُتخيلة للاستفادة منها على أرض الواقع، حيث يقوم بعض الأفراد بالإساءة إلى الإنسان في عُمان، بناءً على تصرفات فردية، مستغلين نفوذهم الاجتماعي أو السياسي، غير عابئين بالنظام، ولا بالقانون الذي له حق الفصل في مثل هذه القضايا الإنسانية.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *