الرئيسية » قضايا وآراء » محمد جاد : مصح كبير

محمد جاد : مصح كبير

مسيرة الإنسان الحضارية لم تكن منحة سقطت عليه من السماء، لكنها طريق طويلة من التجارب ونمو الوعي، ولو استسلم الإنسان لأفعال أسلافه ومعتقداتهم، لظل حبيس الكهوف حتى الآن.

الحديث هنا عن الإنسان الذي لا يعترف بسلطة سوى العقل، والاحتكام إلى التجربة، التي مهما كانت نتائجها، فهي في النهاية تزيده إيماناً بقدراته على تجاوز حاضره، أملاً في مستقبل أفضل، والأمر هنا يتوقف على مدى الإحساس بالزمن، فالشعوب التي تؤمن بصحة أزمنتها الغابرة، تظل مرهونة بالموت، وتتنافى مع الواقع.

فهناك من الأفعال التي كانت تحدث في الماضي، من دون أن تثير المشكلات، لأنها كانت تحدث وفق واقع زمانها.. كبيع وشراء الجواري والعبيد مثلاً (واقعنا العربي لم يزل يتعامل وفق هذه الصيغة مع اختلاف الشكل)، أو زواج القصّر، الذي يُباركه الفقه، ويستن من الآراء في صحته أكثر من آراء الخروج على حاكم فاسد مثلاً (لم يزل أيضاً يتداوله العرب في مباهاة مَرَضيّة).

هذه الأفعال نفاها العقل والتطور الحضاري للإنسان من الحياة، وحرّمتها القوانين المدنية، التي توصل إليها الإنسان بعقله وتجربته أملاً في حياة أرقى.

المسألة إذن هي أسلوب وطريقة التفكير خارج إطار الزمن، ومن هنا تنشأ المفارقة، وتتحوَّل إلى كوميديا في الأعمال الدرامية.. كأن يسير رجل في الشارع الإسفلتي، تمر جواره السيارات المُسرعة، فيما هو يعتلي حصاناً، ويحمل سيفاً، ويرتدي عباءة، باحثاً عن عنوان خيمة صديق له.

سينفجر المشاهدون بالضحك، مع علمهم التام بأن الأمر لا يخرج عن كونه عملا فنيا. ولكن، ماذا لو كان العالم يُمم وجهه شطر شرقنا السعيد، ويرى كل ما فيه على شاكلة هذا الأعرابي التائه؟ سيضحك لحظات – الأمر هنا لا يرتبط بالدراما – وسيُشير بيده قائلاً «يوجد هنا مصح كبير».

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *