الرئيسية » قضايا وآراء » ماجد الشيخ : مأزقنا التاريخي الراهن!

ماجد الشيخ : مأزقنا التاريخي الراهن!

ماجد الشيخ
ماجد الشيخ

لا يمكن لأي مستوى من مستويات التحديث أو الحداثة أن يمر في مجتمعاتنا ودولنا ولدى شعوبنا، طالما أن هناك عقلاً إجرامياً، وقد جعل من الدين تجارته الفاسدة، حيث يريد منه أن يكون مطيته المطواعة للتسلط وطغيان نهجه التكفيري، لكنه منذ البداية وحتى النهاية هدف إلى زلزلة كل قواعد الاستقرار في بلاد لا تعدم مسببات عدم الاستقرار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، فهذا شيء، وما أرادت وتريد «داعش» وأخواتها وأضرابها إحداثه شيء آخر، الشيء الذي يذهب حتى الأقاصي في تدمير كامل مرتكزات الدولة واجتماعها ومجتمعها وشرذمة مكوناتها، إذ تريد أن تجعل من «الجماعة»، جماعتها، جماعة/ أمة، بدلا من دولة الأمة أو الدولة/ الأمة، على ما فعلت وتفعل جماعة الولي الفقيه، وقد حولت مذهبها أينما تواجدت قوة الإكراه والغلبة العسكرية، إلى ممثل أو وكيل لجماعة/ الأمة إياها، بكل ما تحمله من مضمرات النفوذ والسطوة الإمبراطورية، والنزوع إلى الهيمنة القومية الشوفينية العابرة والمتجاوزة للحدود، حدود الدول القائمة، مثل لبنان واليمن وسوريا وغيرها من الدول التي تتواجد فيها مكونات مذهبية، قد تساعد النزوع الإمبراطوري الإيراني على إقامة قواعد هيمنته ونفوذه، ليس في مواجهة نزعات إمبراطورية أو إمبريالية غربية، بقدر ما تسعى، وإن بشكل مضمر، إلى تقاسم النفوذ معها، على ما يسعى، وإن بتواطؤ، ربما بات مكشوفا، إزاء الملف النووي.

ليس هناك من جماعة مركزية، أو يمكن لها أن تمركز قوتها في ذات متضخمة، نرجسية وأنانية، في مساعيها لإقامة مركزها وسط مجاميع الدول التي لا تعتبر نفسها مراكز للهيمنة، بقدر ما تتواضع لتكون واحدة من مجتمع الدول التي تقيم مشتركاتها الحضارية والإنسانية على قواعد القيم الثقافية والفكرية العقلانية المشتركة، المتنوعة والمتعددة بالضرورة. غير أن من لا منطق لديه أو يحتكم إلى عقل راشد، لا يمكن الركون إليه، في الحكم والتدبير، من أمثال تلك الحركات الدينية الرجعية والمتخلفة، التي تنزع نزعات تدميرية وتخريبية وإجرامية، للوصول إلى مبتغاها في التسلط والاستبداد والطغيان، وركوب موجة قيادة الأمة بالقوة وبالإكراه وبالقتل، فأي أمة وأي دولة يمكن أن تنشأ من جراء هذا السلوك الوحشي؟

لقد سقطت الدولة «الداعشية» قبل أن تقوم لها قائمة، وهي المعادية لأي تحديث يمكن أن ينشأ في ظل «دولة جديدة» تدّعيها وتنسبها لنفسها، كما هي معادية أكثر لأي حداثة سياسية أو فكرية ممكنة، في زمن باتت كل أطروحاتها أكثر من متقادمة، حيث لا ينفع إصلاح أو أي محاولات للترقيع، أو التأقلم مع عصر لا يعيش فيه «الداعشيون» وأضرابهم، وأمثالهم من معتنقي أيديولوجيات التدين السلفي بكامل أطيافه وفرقه وتياراته، عصر إن لم تهضم كامل تشكيلة الأفكار العقلانية المتجاوزة للحدود، فلسوف تبقى خارج العالم، وخارج العصر، وخارج الزمان، وخارج العلم، وخارج القيم الثقافية والأخلاقية، والحضارة الإنسانية المشتركة بين مجتمع الأمم المتحضرة.

ولأن مسار التحديث ومسيرة الحداثة، في ظل الاستبداد السلطوي، قد أصيبا بعطب جوهري بالغ، وعطالة فادحة، كان لابد من هذا المأزق التاريخي الراهن، الذي رأينا كيف تسيّدت فيه الصفوف، تلك القوى الأكثر تخلفا، قوى تدعي التدين النقلي، التزاما بحرفية النص، في وقت يقول سلوكها الإجرامي، إنها الأكثر خيانة للنص الديني، والأكثر التزاما بتأويلات وتقويلات، فردية وذاتية، لا علاقة لها بأي من مرجعيات نص لا يقول بما تمارس وتسلك، من سلوكات يندى لها جبين الإنسان.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *