الرئيسية » ثقافة » ذاكرة من وجع..

ذاكرة من وجع..

th-nassarانطباع: هدى أشكناني
«اسم جديد سيبقى في ذاكرة الشعر العربي: عبدالرحيم الخصار».. هكذا يفتتح ديوان الشاعر المغربي عبدالرحيم الخصار، بكلمات إشادية من الشاعر اللبناني الكبير وديع سعادة، المجموعة الجديدة الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب 2013.

القارئ للمجموعة سيشعر للوهلة الأولى بأنه يقرأ سبعة دوواين في ديوان، ذلك أن النصوص السبعة الطويلة، لها أن توحي لك بأن كل نص منها يمكن أن يكوّن مجموعة شعرية فريدة.

جاءت النصوص كما الآتي: ينظرون إليّ باستغراب، أمامنا الجميع وخلفنا لا أحد، عازف كمان مخمور، أزرع شتاتي في بستان، الساحر، طيران حر، سوف تنجو.

يصف بغرابة هذا العالم وما يختزنه من ذعر وخراب، فيقول:

«لم أسافر كثيرا، لكني رأيت العالم برُمَّته في نومةٍ قديمة، كان خرابا يزحف من الدّغل، ويوقظني مذعورا ارتطامه بقوائم السرير، خرابا ويتفتَّح فيه الورد».

لا يقف الوصف والملاحظة عند حدود العالم، فها هو يصف تعب عاملات المصانع، المزارعات ويتعاطف معهن بطريقته :

«أشفق على عاملات المصانع، يزدحمن كل صباح في شاحنة، يقفن مقنّعاتٍ وأيديهن تمسك بالحديد البارد والخشب، ينزلن عبر الدَّرج الضيق، يُخرجن السردين من الصهاريج، ويصبّرنه في العلب، يصبّرن معه ما تبقى لديهن من طراوة، أشفق على عاملات المزارع والضيعات، يزدحمن في شاحنة أخرى، يزرعن أحلامهن في الأراضي الجرداء، ولا يقطفن سوى التعب».

الملاحظ في نصوص الخصّار، العلاقة الحميمة بينه وبين الطبيعة، وهو ما نلاحظه في مقاطع كثيرة في شعره، كما ظهر ذلك في نص «صديقي»، «أمامنا الجميع وخلفنا لا أحد»، ونص»أحدُ ما» الذي يقول فيه:

«أحد ما أغضب هذه الجبال، حتى الصخور كانت ترفع أهازيجها في الليل، وتقرع الطبول والدفوف متحلّقة حول النار، أشجار اللوز المتكاثفة مع بعضها والمتحدة كما لو أنها في حرب كانت أيضا تغمر الوديان بالمواويل. عماماتُ الأمازيغيين ممدودة مثل جسور، وخناجرهم لاتزال تلمع، لكنّ أحدا ما أضرم النار في قصب الطريق، طمر الخزائن في سهب مجهول، وزرع بدل الأركَان شجرا تأنفُه الأرض».

الملفت أيضا في المجموعة، اعتماده على اللغة اليومية البسيطة، من دون الحاجة للتعقيد في العبارات والتشبيهات، وهو الأمر الذي يمنح صلة، علاقة جيدة بينه وبين القارئ، وهو ما نجده في معظم نصوص المجموعة.

أبدع الخصّار في التشبيهات الشعرية التي تمنحك آهات متتالية تطلقها بين مقطع ومقطع، من نص «أزرع شتاتي في بستان» مقطع جميل وآخاذ للتفكير يقول:

الطائر الذي كان يرفرف سعيدا في أرجائي
فقد ريشه دون عاصفة
كان يملك منقارا وجناحين
وحين أصابه العقل
وتسربت الأفكار إلى رأسه الصغير سقط
ومنذ ذلك العهد وهو يغطس في الغدران
ويعدو واثبا متوهما أنه ضفدع.
في النصين الأخيرين الذين اختتم بهما عبدالرحيم الخصار المجموعة، وهما «طيران حر»، «سوف تنجو» ظهرت النصوص قصيرة ومكثقة جدا، برّاقة وآسرة، تسلسلت في 38 ومضة، نذكر منها:
1
اهدأ يا قلبي
كلانا أخطأ الوجهة
أنت أعمى
وأنا وثقتُ بك.
7
أُخرج الماضي من الباب
فيعود من النافذة.
5
مغمورا باليأس
وبالأمل
كمن ينتظر عُزيراً
ويعرف أنه قد مات.

لنا أن نقول إن إبداع الشاعر المغربي عبدالرحيم الخصّار، رغم كمية الوجع والحزن التي أحاطت بالمجموعة، فإنها عمل فريد يستحق القراءة لمرات.

جدير بالذكر أن الشاعر عبدالرحيم الخصار صدر له أخيرا:

– وصل الشتاء، وزارة الثقافة، المغرب 2004.
– أنظر وأكتفي بالنظر، دار الحرف للنشر، المغرب 2007.
-نيران صديقة، دار النهضة، لبنان 2009.
*وقد تم اختياره كواحد من أفضل الكُتاب العرب دون سن الأربعين في تظاهرة بيروت 39.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *