الرئيسية » محليات » الفساد يتغلغل في جسد الدولة.. والحكومة غير جادة في الإصلاح

الفساد يتغلغل في جسد الدولة.. والحكومة غير جادة في الإصلاح

الفساد-كاريكاتير-القبسكتب أنور عبدالعزيز ناصر:
لاشك في أن الفساد معول هدم للدول، وآفة المجتمعات النامية، وكم من بلدان تراجعت أحوالها من جرّاء الفساد المالي والإداري، على الرغم من امتلاكها المقومات المالية الكافية للنهوض وتحقيق التنمية.

وفي الوقت الذي يدخل فيه عام 2014 ربعه الأخير، تدل كثير من المؤشرات على تغول الفساد في الكويت، من دون اتخاذ إجراءات حازمة وجادة لمواجهته.

ووفق تقرير مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، فإن الكويت تراجعت من المرتبة الـ 66 عام 2012 إلى المرتبة الـ69 عالمياً في عام 2013، واحتلت المركز السابع بين الدول الأكثر فساداً عربياً، ومع ذلك، لم تتخذ الحكومة أي خطوات فاعلة لإصلاح الأوضاع المختلة خلال العام الحالي، الذي قارب على الانتهاء، فما السبب في ذلك؟

للإجابة عن هذا التساؤل يعرج المراقبون على فساد القطاع العام، الذي يهيمن على نسبة كبيرة من مقدَّرات الدولة، ويؤكدون أن تغلغل الفساد في مؤسسات الدولة أصبح ظاهرة، بسبب نقص المساءلة، وضعف الأدوات الرقابية، وعدم توافر قواعد حاكمة لسلوك الموظف العام وشاغلي المناصب القيادية، والأهم غياب الإرادة السياسية لمحاسبة المفسدين والمتنفعين ممن يهدرون مقدَّرات البلاد.

ملاحقة الفساد

وعلى الرغم من ضبط كثير من قضايا الفساد، والإعلان عن ذلك عبر وسائل الإعلام، فإن آليات المحاسبة لاتزال قاصرة عن ملاحقة الفساد وقطع دابره في أجهزة الدولة، وليس أدلّ على ذلك من استمرار هدر المال العام في المشاريع التنموية، وعدم إحراز تقدُّم يُذكر في خطة التنمية المنشودة، والتي وضعت على «الورق فقط» منذ سنوات، وفشلت جهات الدولة في إنجازها – وفق اعتراف أجهزة حكومية مختصة، وعلى رأسها وزارة التخطيط، التي أعلنت أخيراً أن خطة التنمية لا يمكن تحقيقها على المدى المنظور، كما أن الرؤية الاقتصادية أصبحت شبه غائبة، ومن ثم يضحى التخطيط لاستثمار الفوائض النفطية «مجرد حبر على ورق»! فلا تطوير للبنية التحتية، ولا مشاريع كبرى أنجزت على أرض الواقع خلال السنوات الخمس الأخيرة، ولا إغلاق لصنبور الفساد المتغلغل، والذي أصبح ينخر في كيان البلاد، مثل السوس، ويمتص دماء العباد، ولا تخطيط لمستقبل الأجيال، ولا حلول جذرية للأزمة الإسكانية، فضلاً عن تدهور قطاعات أخرى حيوية، كالتعليم والصحة والطرق والبنية التحتية.

عجز.. وشد وجذب

ويشير المراقبون إلى تأثير الصراع السياسي المستفحل ومخاطره على مستقبل الكويت، فضلاً عن تخلف أداء الدولة، اقتصادياً وتنموياً، ومن ثم العجز الواضح عن دفع مسيرة التنمية، ما جعل من الصعوبة بمكان إنجاز القوانين الرامية إلى مناهضة الفساد ومحاسبة المتنفذين والمعتدين على المال العام.

وفي دولة صغيرة المساحة والسكان، كالكويت، أصبحت فوائضها المالية نقمة أكثر مما هي نعمة، حيث تحوَّلت عوائد الثروة النفطية إلى مطمع للمتنفذين وسرَّاق المال العام، ومغنماً للمتكسبين عبر الطرق غير المشروعة، منها السرقات المباشرة لأموال المشاريع وموازنات مؤسسات الدولة، إضافة إلى التجاوزات والمخالفات غير المباشرة، ومنح الهبات والرشاوى، لقاء تسهيل الحصول على المناقصات أو ترسية المشاريع بالأمر المباشر.

غياب الشفافية

وبالنظر إلى بعض جرائم الفساد، خلال عام 2014، يكشف المراقبون عن تضاعف حوادث سرقات ومخالفات وتنفيع وهدر للمال العام، أبطالها مسؤولون في جهات حيوية.. وعلى الرغم من كشف الجهاز المركزي للمحاسبات عن بعض جرائم الفساد (منها تقريره عن هدر ملايين الدنانير في وزارة الأوقاف وغيرها)، فإن غياب الشفافية يجعل المتورطين في الاعتداء على المال العام يفلتون من العقاب.
الغريب أيضاً، أن كثيراً من جرائم الفساد – رغم الكشف عنها- لا يتم الإفصاح فيها عن الجاني، وكأن المال العام «مال سائب» لا صاحب له، وهذا يغري الكثير من المفسدين بمواصلة تعدياتهم، قياساً على قاعدة «من أمن العقاب تمادى في الفساد».

واللافت أيضاً في قضايا الفساد وجرائم التعدي على المال العام، أن الأجهزة المختصة، مثل وزارتي الداخلية والتجارة، أعلنت غير مرة خلال الأشهر الماضية عن ضبط تجاوزات وتعديات على المال العام، فضلاً عن العثور على آلاف الأطنان من الأغذية الفاسدة، والسطو على ممتلكات عامة وأموال، وضبط قضايا رشوة بمبالغ طائلة، إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه: ماذا بعد هذه الضبطيات؟ ولماذا لم تعلن الجهات المختصة عن أسماء المتورطين بشفافية? وإلى أي مدى وصلت القضايا التي أحيلوا بسببها إلى النيابة والمحاكم المختصة؟

الخطر الحقيقي

ووفق تقرير صندوق النقد الدولي، الصادر عام 2013، فإن أكبر خطر يهدد مستقبل الكويت الاقتصادي يتمثل في التراجع المحتمل لأسعار النفط، والاعتماد عليه كمصدر أوحد للدخل القومي، مع استمرار زيادة الإنفاق الاستهلاكي والإنفاق غير المدروس، وعدم حفز المشاريع التنموية المنتجة، والاقتصار على مشاريع هلامية أشبه بالفقاعة الطارئة، التي لا تخدم خطة تنويع الإنتاج، ومن الخطر الداهم تدني أداء الأجهزة الحكومية، وإهدار المال العام، وعدم اتخاذ إجراءات مشددة ضد المتورطين في قضايا الفساد.

وعلى الرغم من تحذير صندوق النقد الدولي من تفاقم الأوضاع الاقتصادية وتجذر الفساد خلال عام 2014، فإن هذه التحذيرات والتقارير ظلت حبيسة الأدراج، ولم تنفذ الحكومة آليات شفافة وواضحة لمكافحة الفساد، ولم تتخذ حتى الآن خطوات فاعلة للإصلاح الإداري والمالي، ومن ثم استمر تطبيق القانون بانتقائية، من دون تقدير تداعيات ذلك على الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتنموي.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *