الرئيسية » ثقافة » ضمن عروض السينما المستقلة بنادي الكويت للسينما: «كليفتي».. التحايل لمواصلة الحياة في الألفية الجديدة

ضمن عروض السينما المستقلة بنادي الكويت للسينما: «كليفتي».. التحايل لمواصلة الحياة في الألفية الجديدة

ملصق الفيلم
ملصق الفيلم

كتب محمد عبدالرحيم:
ضمن شهر السينما المستقلة، الذي ينظمه استديو الأربعاء برعاية نادي الكويت للسينما، عُرض الأسبوع الماضي الفيلم المصري «كليفتي» من إخراج محمد خان، بطولة باسم سمرة، رولا محمود، سناء يونس، أحمد كمال، و من إنتاج عام 2004.

ولعل التجربة اللافتة التي خاضها محمد خان هذه المرّة، هي التعامل من خلال كاميرا الديجيتال.. ربما كسراً لاحتكار سوق العرض والتوزيع السينمائي، وتشجيعاً لمحاولات الأفلام المستقلة ــ الحديث عن عمل تم منذ عشر سنوات ــ وقتها لم يكن المناخ كالآن، حيث اتسع مجال الأفلام المستقلة، وأصبحت تقنية الديجيتال هي السائدة في معظم الأعمال، بخلاف الأفلام التجارية، التي تتم وفق آليات صناعة السينما، من التصوير بالفيلم الخام، ومراحله المعهودة، من تحميض وطبع نُسخ العرض.

القاهرة في الألفية الجديدة

من خلال قصة حب بين شاب وفتاة (باسم سمرة ورولا محمود) يبدأ الفيلم في التعرُّض إلى عالم القاهرة في بداية الألفية، فالفتاة اقتربت من سِن العنوسة، الذي تعانيه أغلب الفتيات الآن، والشاب لا يجد عملاً، فلم يكن أمامه سوى ممارسة النصب، والحصول على النقود بأي طريقة. وبشكل أو بآخر، يذكّرنا الفيلم بحالة فيلم خان السابق (أحلام هند وكاميليا) الذي تعرَّض لعالم القاهرة السفلي في ثمانينات القرن الفائت.. عالم الخادمات والنصابين، الأمر الآن ازداد تعقيداً، وأصبحت الظروف الاجتماعية والاقتصادية أكثر قسوة.. فبينما يفشل الشاب (كليفتي) ــ بمعنى النصاب ــ في الزواج من حبيبته، نجد بطل (هند وكاميليا) ينجح في الزواج منها، رغم كل الصعاب. وبينما ينتهي به المآل للسجن، إلا أن زوجته وابنته يواصلان الحياة وينتظرن.. أما الآن، فالحبيبة تتزوج من آخر (مشهد اليأس التام للبطل، عندما ذهبت فتاته لأحد المحال لشراء بعض السلع، استعدادا للزواج بآخر، وتجد حبيبها هناك يعمل في المتجر نفسه، رغم كونه مشهداً تعسفياً، إلا أنه أوصل الأزمة إلى نهايتها)، والشاب لا مصير ينتظره سوى الموت، بالطريقة نفسها التي عاش بها.. التحايل حتى يعيش، ليصبح تحايله سبيلا لموته.

الإيهام بالحياة

جميع الشخصيات تحاول أن تحيا وتوهم نفسها بغد أفضل، من دون وعي بالأسباب، وهي بذلك تمارس الزيف على نفسها، نظراً لظروف اجتماعية واقتصادية أكثر قسوة من أي وقت مضى، وبالتالي، فالجميع يمارس ألعاب التحايل هذه، حتى والد الفتاة (أحمد كمال) والذي يدير مغسلة للملابس في محل خاص به، يوهم الزبائن بأنها مغسلة حقيقية، لكنها عبارة عن آلة فقط، في إطار خشبي مصنوع يدوياً، ويعرف الرجل أن ابنته على مشارف العنوسة، لكنه أيضاً ينتظر مَن يتولى الإنفاق الكامل عليها، ويتحيَّن أمل الفرصة المناسبة.

عالم المدينة الخفي

قدَّم الفيلم ونجح في خلق إيقاع القاهرة الحقيقي، من دون رتوش أو تزييف قدر الإمكان، ليصبح هذا العالم أحد شخصيات الفيلم، من دون أن يكون خلفية ديكورية للأحداث، من شوارع وصخب وحركات سكان القاهرة، وخاصة الفئات الفقيرة، التي قد تتقبَّل حالتها في أوقات السَهو أو الإيمان بالقضاء والقدر، لكن أوهامها تتنامى وتتجسد، كحلم يقظة دائم، كحالة البطل وأشباهه من الملايين الذين نطالعهم في الشوارع والمواصلات، والمحال. هنا.. تبدو الشخصيات في ألفة فائقة مع مكانها، وهي حالة لا تتوافر دائماً في مثل هذا الشكل من الأفلام التي تتحدَّث كثيراً عن الفقراء والمُهمشين ــ هذا المصطلح المُستهلَك ــ وتتغنى بآلامهم، من دون أن تستطيع تجسيدها على الشاشة، وهو أمر يُحسب للمخرج في المقام الأول، ثم الممثلين بعد ذلك.

الصورة السينمائية

وبالطبع، كان للصورة أهمية أكثر من الحوار ــ أسلوب محمد خان ــ وبالتالي التعبير سينمائياً عن مشاعر ونوايا الشخصيات، فمشهد وقوف الفتاة أسفل الماء في الحمّام، واستسلامها لتساقط الماء، الذي انفتح بالمصادفة، استسلامها في حمّام متساقط طلاء جدرانه، والجو الشتوي الكئيب، والإضاءة الخافتة، جعلها وكأنها ترقص، فيما الشاب يجلس مع أبيها أسفل البيت ــ تظن الفتاة أنه يطلب يدها ــ لكنه يريد أن يتحايل على أبيها في شأن خاص بالعمل.. حالة مزمنة من الضياع، وأن يمر اليوم فقط، من دون التفكير في أي شكل من أشكال المستقبل.

الإيقاع الوثائقي

وحتى يتكامل التأثير شِبه الواقعي في تجسيد حالة الفيلم وشخوصه، لجأ المخرج إلى التكنيك والإيقاع الوثائقي، من حركة الكاميرا المحمولة في الشارع، التي تصاحب الشخصية وتعبّر عن وجهة نظرها، ومن جهة أخرى الاعتماد على اللقطات الثابتة لفترة زمنية طويلة بالمقارنة مع إيقاع الفيلم الروائي، ثم زاوية الكاميرا، والتي تبدو منها الشخصية وكأنها تتحدَّث إلى المُشاهد مباشرة، وهو ما أكده أداء الممثلين، الذين وفّق المخرج في اختيارهم، لأن أغلبهم يميل إلى طريقة وأسلوب في التمثيل يقترب كثيراً من الواقع، من دون المبالغة في تعبيرات الوجه، أو درجة الصوت عند الانفعال، مثلاً، أو حتى الهمس في لقطات الغزل القصيرة بين الشاب والفتاة.

لقطة الفيلم
لقطة الفيلم
Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *