الرئيسية » آخر الأخبار » بعد الإعلان عن خطة تنمية جديدة بـ 100 مليار دولار: الفشل كبير ونسب الإنجاز مشكوك فيها

بعد الإعلان عن خطة تنمية جديدة بـ 100 مليار دولار: الفشل كبير ونسب الإنجاز مشكوك فيها

مليارات الدنانير أهدرت على مشاريع لم تحقق الأهداف المرجوة منها
مليارات الدنانير أهدرت على مشاريع لم تحقق الأهداف المرجوة منها

كتب محرر الشؤون الاقتصادية:
لم يكن تقرير المجلس الأعلى للتخطيط، الذي صدر أخيراً، وأكد فشل معظم أهداف الخطة التنموية للكويت (2010 – 2014) مفاجأة، بل جاء بأمر متوقع ومؤكد.. وحقيقة تحدثنا عنها أكثر من مرة في «الطليعة»، وهي الفشل الذريع لهذه الخطة التنموية.

ووفق ما جاء في التقرير، فإن الأرقام تؤكد أن الفشل أو الإخفاق في الخطة وصلا إلى نسبة مرتفعة تصل إلى ما يقرب من 50 في المائة، وهي بالتأكيد نسبة مرتفعة جدا، هذا إذا اقتنعنا فعلا أنه تم تنفيذ ما يقرب من 50 في المائة من المشاريع الموضوعة في الخطة، وأن الإنفاق كان بشكل صحيح.

وقد بيَّن التقرير أن إجمالي المنفق على المشاريع الواردة في خطة التنمية (2010 – 2014) لم يتجاوز نسبة الـ 52 في المائة من إجمالي المبالغ المعتمدة والمخطط لها، ومن ثم تكون نسبة نجاح الخطة عند نفس المعدل وهو 52 في المائة، ونسبة الفشل عند 48 في المائة، فأي مبالغ مرصودة لمشاريع في الخطة لم تنفق تعني أن هذه المشاريع لم تنفذ، وعدم تنفيذ المشاريع الموضوعة في الخطة يعني فشل الخطة.

وأوضح التقرير أن ضمن ما رصدته خطة التنمية مبلغ 22.5 مليار دينار لنحو 1603 مشاريع، ولكن ما تم صرفه فعلا هو 11.8 مليار دينار فقط، وهذا يعني أن حوالي 50 في المائة من الأهداف لم تتحقق.. هذا إذا سلمنا بأن الـ 11.8 مليار دينار التي أنفقت تم انفاقها بشكل صحيح وحققت الأهداف التنموية المرجوة منها.

إخفاقات كبيرة

أما من ناحية التنمية البشرية، والتي وضعت الخطة التنموية من أجلها، فقد بيَّن التقرير أن هناك إخفاقات كبيرة في قطاع التربية والتعليم، حيث كان المستهدف زيادة نسبة المقبولين في الكليات العملية التكنولوجية الجامعية من 39 إلى 55 في المائة، لكن ما تحقق لم يتجاوز 41 في المائة، وهو ما يعني أن نسبة النجاح 2 في المائة فقط، كما أن المستهدف لنسبة طلاب الدراسات التطبيقية في هيئة التعليم التطبيقي والتدريب كان 40 في المائة، وما تحقق لا يتجاوز 26 في المائة، مع العلم بأن في عام تطبيق الخطة كانت النسبة 27 في المائة، أي أن هناك تراجعاً قياساً بعام 2009/ 2010، وهذا فشل ذريع على مَن يتغنون بالتنمية أن يخجلوا منه.

المشكلة الإسكانية

ثم يأتي بعد ذلك دور القضية التي تشغل الكويت منذ سنوات، وهي المشكلة الإسكانية، والتي كان من المفترض أن تكون المدة الزمنية المحددة للخطة التنموية، والمبالغ المالية الكبيرة المرصودة كافية لحل جزء كبير منها، لكن للأسف فشلت الخطة فشلا ذريعا في تقديم حلول لهذه المشكلة، فإجمالي القسائم المنجزة خلال المدة الزمنية المحددة للخطة التنموية بلغ 18334 قسيمة، من أصل 32199، أي أن نسبة النجاح 57 في المائة فقط من المستهدف، وبلغ إجمالي البيوت الجاهزة المنجزة 1476 من أصل 12 ألف بيت، بحجم إنجاز لا يتجاوز 13 في المائة من المخطط له.. أما أهداف الخطة التنموية، في ما يخص زيادة العمالة في القطاع الخاص، وتخفيف العبء عن القطاع العام، فإن الخطة فشلت فشلا ذريعا أيضا في هذا الأمر، ووجدنا توجها غير مسبوق من الشباب على القطاع الحكومي، وعزوفا تاما عن العمل في القطاع الخاص، وخصوصا مع زيادات الرواتب واستمرار صرف المكافآت والمميزات للعاملين في القطاع العام، وهذا كله دفع الشباب إلى العمل في القطاع الحكومي أكثر من أي وقت مضى، وقد كانت الخطة تستهدف زيادة نسبة العمالة الوطنية في القطاع الخاص إلى 8 في المائة، ولكن هذا الهدف لم يتحقق، كغيره من أهداف الخطة، كما لم تنجح الخطة في تنويع الاقتصاد، وزيادة مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي، ليبقى القطاع العام مسيطراً على الاقتصاد.

كلاكيت للمرة الثانية.. خطة تنمية جديدة

وفي الوقت الذي ما زال الجميع يتحسر فيه على الأرقام التي تضمنها تقرير المجلس الأعلى للتخطيط حول خطة التنمية (2010 – 2014)، فوجئنا مطلع الأسبوع الجاري بتصريح لرئيس الوزراء الشيخ جابر المبارك، يؤكد فيه عزم الكويت إنفاق 100 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة على مشروعات البنية التحتية والمشروعات التنموية، ونقلت وكالة الأنباء الكويتية (كونا) عن رئيس الوزراء قوله في مقابلة مع مجلة إكسفورد بيزنس جروب البريطانية إن الاستقرار السياسي الذي تتمتع به الكويت «سمح للحكومة بإعادة إطلاق خطة التنمية على أسس صحيحة، والتي ستضخ ما يفوق 100 مليار دولار في السنوات الخمس المقبلة لتمويل مشاريع بنى تحتية ومستشفيات ومدارس وجسور ومحطات كهرباء ومواصلات وأكثر من 100 ألف وحدة سكنية وتدريب الطاقات البشرية».

وللعلم، هذه هي المرة الثانية التي تعلن فيها الحكومة عن خطة تنموية جديدة، فقد أعلنت في أكتوبر الماضي عزمها تنفيذ خطة للتنمية الاقتصادية تفوق قيمتها 125 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة، تتضمَّن العديد من المشروعات الضخمة، وقد جاء إعلان الحكومة عن هذه الخطة، تزامنا مع زيارة لوزير التنمية السابقة د.رولا دشتي إلى الصين، وعقدها لقاءات مع الحكومة الصينية، وشركات بخصوص الشراكة في التنمية مع الكويت، ودراسة الاستفادة من الشركات الصينية لتنفيذ خطة التنمية ذات الـ 125 مليار دولار.

والسؤال، هل الخطة الجديدة التي أعلن عنها رئيس الوزراء هي ذاتها الخطة التنموية (2010 – 2014)؟

إذ ماذا يمكن أن يُفهم من قول رئيس الوزراء إن الاستقرار السياسي الذي تتمتع به الكويت سمح للحكومة بإعادة إطلاق خطة التنمية على أسس صحيحة؟ هل المقصود هو إعادة إطلاق خطة التنمية القديمة، أم أن هناك خطة تنمية جديدة؟ وإذا كانت هناك خطة جديدة، فهل هي ذاتها التي أعلنت عنها وزيرة التنمية السابقة، والتي قدَّرتها بـ 125 مليار دولار؟
إن الأمر يحتاج حقا إلى توضيح، فالأرقام والخطط تداخلت في بعضها البعض، ولم نعد نعرف أي خطة يقصدون وأي خطة ستنفذ؟ فخطة التنمية الأولى بـ 122 مليار دولار، والخطة التي أعلنت عنها الوزيرة دشتي بـ 125 مليار دولار، والخطة التي أعلن عنها رئيس الوزراء بـ 100 مليار دولار!

غياب الثواب والعقاب

ورغم هذا الفشل الذريع للخطة التنموية الأولى، والذي كان واضحا للجميع، لم نسمع حتى الآن عن محاسبة أحد عن هذا الفشل، وتصحيح الأخطاء، وهنا يكون من حق الحكومة أن تعلن عن إطلاق خطة تنمية جديدة، لكن للأسف، الوضع ما زال كما هو، بل على العكس، ازداد تعقيدا، مع استمرار المكافآت والمميزات في جميع الوزارات والهيئات والمؤسسات، وكأن الجميع نجح في تحقيق الأهداف الموضوعة وبإتقان، بل على العكس، هناك وزارات وجهات تضاعفت فيها المكافآت خلال السنوات الأربع الماضية، وهي المدة الزمنية المحددة لخطة التنمية، والمثال الواضح على ذلك القطاع النفطي.. فرغم الفشل الكبير لهذا القطاع في غالبية المشاريع النفطية الداخلية والخارجية، سواء الواردة في خطة التنمية أو غيرها، فإن المكافآت في هذا القطاع وصلت إلى أرقام كبيرة، وليس أدلّ على ذلك من مكافأة «المشاركة في النجاح»، التي تصل إلى ما يزيد على 200 مليون دينار سنويا، هذا بالإضافة إلى ما يحصل عليه قياديو وموظفو مؤسسة البترول وشركاتها التابعة من ميزات تشمل بنودا أخرى غير مكافأة المشاركة في النجاح، فوفقا لتقارير ديوان عام المحاسبة بلغت ميزات العاملين في القطاع النفطي فوق رواتبهم نحو 490 مليون دينار في العام المالي (2012 – 2013 )، ولا يدري أحد أين هذا النجاح الذي شارك فيه هؤلاء، كل مشاريع القطاع النفطي إما معطلة أو تأجلت أو تأخر تنفيذها، أو فشلت ولم تحقق الأهداف المرجوة منها!

أين ذهبت الأموال؟

بعد كل هذه الأرقام التي ذكرها تقرير المجلس الأعلى للتخطيط، هناك أمر يجب أن نؤكد عليه، وهو أنه لا فائدة من طرح خطط تنموية، سواء كانت خطط سنوية، أو خطط تنموية طويلة، مثل خطة التنمية الخمسية (2010 – 2014)، طالما المحاسبة غائبة، ولا تتم محاسبة كل من تسبب في تعطيل أو عرقلة مشروع، أو تسبب في إهدار مال عام في مشروع، فالتنمية لن تتحقق قبل القضاء على الفساد وتحقيق الإصلاح.

فما الفائدة من رصد مليارات الدنانير سنويا، بحجة تنفيذ مشاريع تنموية لا نرى أياً منها على أرض الواقع؟ وما الفائدة من رصد مليارات الدنانير سنويا، بحجة تنفيذ مشاريع تنموية، وفي النهاية تتبدد هذه المليارات، ولا يعلم أحد أين ذهبت؟

إن واقع الحال يقول إن رصد كل هذه المليارات من الدنانير، في ظل المناخ المتردي الذي نعيشه، ومخططات نهب أموال الدولة، كان وسيكون فرصة جيدة للراغبين في نهب المال العام والسيطرة على مقدَّرات الدولة، وتحقيق مكاسب شخصية على حساب مستقبل البلاد، والتجربة مع خطة التنمية (2010 – 2014) خير مثال، فكلمة «تنمية» في الكويت أصبحت مرتبطة بهدر وضياع المال العام، وتنامي حالة الإهمال والفساد، والتي نلمسها جميعا، ونشاهدها يوميا بأعيننا، حتى المشروعات التي تم تنفيذها تعج بالفساد وعدم مطابقة المواصفات، والأمثلة للفساد في المشروعات كثيرة ومتعددة، ولا نستطيع حصرها كلها، وكلنا يذكر فضيحة «الحصى المتطاير» وشوارع وطرق الكويت التي تلف أغلبها، لمجرد سقوط الأمطار ليوم أو يومين متواصلين الشتاء الماضي، وهذا كان خير مثال على الفساد المستشري في الكثير من القطاعات والمشروعات من دون عقوبات رادعة للمتسببين فيه، بما لا يمنحنا الطمأنينة أن المشروعات التنموية سوف تنفذ فعلا بشفافية ونزاهة.

الشفافية غائبة

لقد كانت حالة الفساد التي استفحلت في البلاد لنهب المليارات المرصودة لخطة التنمية، وعدم الشفافية في تنفيذ الكثير من المشاريع سببا رئيسا في أن كثيرا من التقارير الدولية أشارت في أكثر من موضع إلى ازدياد الفساد الموجود في الكويت، ومنها التقارير الدولية الصادرة عن منظمة الشفافية العالمية.

فوفقا لهذه التقارير، زادت حالات الفساد في البلاد في السنوات الأخيرة على نحو كبير، ليتراجع ترتيب الكويت من الدرجة 43 إلى 69 عالميا في مؤشر مكافحة الفساد خلال سنوات قليلة.

إن المؤكد أن المرحلة المقبلة تتطلب أن نتعلم من الأخطاء التي حدثت في خطة التنمية ونتخذ قرارات جريئة، تضع مصلحة الكويت فوق كل اعتبار، فالمواطن الكويتي ما زال متحسرا على الأموال التي أهدرت في خطة التنمية، من دون الوفاء بأي من الوعود التي أكدت أن الخطة ستنهض بمستوى المواطن الكويتي، وتسهم بشكل كبير في تحسين الخدمات، لكن الخطة التنموية الخمسية نتائجها كانت سلبية أكثر منها إيجابية، وحتى الآن ما زال الجدل دائراً، سواء بين عموم المواطنين، أو بين أهل التخصص والمعنيين بالشأن الاقتصادي، حول هذه الخطة، وأين ذهبت الأموال التي رصدت لها؟ وأين مشاريع هذه الخطة على أرض الواقع؟ وما الذي استفادته الكويت منها؟ وأين النقلة الكبيرة التي حققتها الكويت، كما كان يزعم المروجون لها؟ فالكل مصدوم من النتائج المخيبة للخطة التنموية، والأموال التي أهدرت باسم التنمية، واليوم فوجئنا الحكومة بخطة جديدة بـ 100 مليار دولار.

كان الأجدر بالحكومة أن تتبع الشفافية في الخطة التنموية، وتعلن عن جميع تفاصيلها، وتفاصيل المشاريع المنجزة، وحجم الإنجاز بصفة دائمة في هذه المشاريع، وحجم الأموال المنفقة، وأين أنفقت؟ والمشاريع التي أنفقت فيها، وخصوصا أن المبلغ الذي رصد لها كان مبلغا ضخما، حتى إذا ما أعلنت عن أي خطط تنموية أخرى مستقبلا، أو أي مبالغ مزمع إنفاقها يكون هناك مصداقية وشفافية بين المواطنين والحكومة، فالأمر المؤكد أن الثقة باتت مفقودة بين الحكومة والمواطن، وخصوصا في ما يخص إنفاق المبالغ المالية الكبيرة، وقد يحتاج الأمر إلى شفافية كبيرة لعودة هذه الثقة.

إن من السهل على الحكومة أن تقوم برصد مبالغ مالية ضخمة، نظرا لما تملكه الكويت من وفرة مالية واحتياطيات مالية كبيرة، لكن التحدي الأكبر يكمن في كيفية تنفيذ هذه الخطط، وعدم إهدار هذه المبالغ على المتنفعين والمتنفذين.. فسياسة التنفيع أدَّت إلى تدمير البلاد وتأخرها كثيرا في كافة المجالات.

الاقتصاد الكويتي يدفع الثمن

مع كل هذا الفشل الذريع لخطة التنمية الأولى، يدفع الاقتصاد الكويتي ثمناً باهظاً من إنتاجيته وتنافسيته، كما أن الفشل في تنويع مصادر الدخل وارتفاع وتيرة ارتفاع الإنفاق الجاري في الموازنة سيصل بالبلاد إلى منعطف خطير، ليبدأ العجز بالتراكم خلال الأعوام المقبلة، مهدداً الميزانية العامة، وبالتالي كل الدولة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *