الرئيسية » قضايا وآراء » ناصر العطار : نعم.. يردن حرية

ناصر العطار : نعم.. يردن حرية

ناصر العطار
ناصر العطار

في كل زمن يسقط فيه – أو يكاد يسقط – الحل الشامل لجميع المشاكل، ويتراجع فيه احتكار الحقيقة بشكل مطلق، يجد الإنسان نفسه في موقف صعب، لو أبدى رأيا جازما في قضية معينة، أو تمسك بمبدأ وجده لازما مع كل طرح يبديه أو وجهة نظر يحملها، حتى لا يظهر وكأنه العارف الأوحد، وهذا ما لا يصح ولا يليق، وها أنا أشعر بذات الموقف الصعب في هذا المقال، حيث أخشى أن أحتكر حقيقة المشكلة التي نشرتها أكثر من صحيفة في الأسابيع الماضية وحلها، وهي ارتفاع حالات الطلاق في الكويت بأرقام كبيرة في السنوات الخمس الماضية، وقد نشرت صحيفة القبس بتاريخ ٢٠١٤/٨/٢٧ حوارا مع المستشار في المحكمة الإدارية عادل الفيلكاوي، حول هذا الموضوع، عدَّد فيه أسباب ازدياد حالات الطلاق، واصفا الجيل الحالي بشكل عام بالمتهور وفاقد الصبر، وقال وفق الصحيفة: من الممكن أن يكون الطلاق اليوم لأي سبب، والبعض من الزوجات يطلبن الطلاق، وليس لديهن مبرر، ومن الممكن أنهن يردن حرية فقط! ومع كل تقديري لسعادة المستشار، أجد نفسي بتواضع مختلفا معه، فلا أعتقد بأنه يصح تسفيه مبدأ الحرية في حياة الإنسان أو تجاوزه وتبسيطه، ولو كان جائزا ذلك، فكيف لنا أن نتخيل حال الإنسان في كل مناحي حياته، وهو مسلوب الإرادة في الكلمة والفعل وموجه في الأفكار؟ كيف لنا أن نتصور حال الوطن وحال الأسرة، ونحن نظن أن حرية الإنسان وهو «أس» الوطن والأسرة لا مبرر لها؟ ألا يملك الإنسان أن يكون جديرا بالحرية، وهو في الوقت ذاته يملك نعمة العقل؟ هل بات مجتمعنا فاقد الثقة بنفسه، ليرى أن الحرية عامل ثانوي في بناء حاضره ومستقبله؟

الأهم من كل هذه الأسئلة، هو السؤال القادم الذي يطرحه كثيرون في المجتمع العربي، وهو هل وصلت المرأة إلى حق أن تنال حريتها وفق عقلية الرجل وتصبح إنسانا مثله؟ أظن أن هذا سؤال يعبّر عن وضع يعيب الرجال، كما يعيب النساء تماما، ويحط من إنسانية الرجال، كما إنسانية النساء بالضبط، فإذا أصبحت حرية المرأة موضع شك، فهذا يعني أن الرجل أسير لأوهام وأفكار رجعية بائسة، وبالتالي فهو ليس حرا كما المرأة.

لقد صُنعت خلال السنوات الأربعين الأخيرة حواجز لا معنى لها بين طرفي المجتمع، بدءا من قوانين تعيق المساواة وتعطل الحرية في الجنسية والسكن، إلى قانون التعليم المشترك في الجامعة، إلى قانون اللباس المحتشم.. وهذه كلها قوانين لا يمكن لها أن تصدر أو تطبق، لو لم يسبقها تلاعب في عقلية الناس، حتى لا تجد مَن يعترض عليها أو يستغرب منها أو أحدا يسأل نفسه.. أهذا مجتمع كان قد دفع بممثليه لكتابة دستور عصري قابل للتعديل بعد خمس سنوات من تنفيذه نحو مزيد من الحريات؟

ولو تحدَّثت عن الحرية في شقها الاجتماعي، فإنها دافع أساسي نحو «مزيد من الحريات»، فكيف ننتظر من أجيال حالية أو قادمة أن تدفع نحو ذلك، والأساس في المنزل مختل؟ حيث الزوجة أو الأم والزوج أو الأب واقعون في ريبة من حريتهم؟

إن الثقة لا تتولد إلا بالحرية، فمن دونها سيبقى الهاجس مستمرا، والشك قائما بين أفراد المنزل الواحد، وستنعكس هذه الحال على وطن مقسوم على نفسه، إنما بشكل أكبر إلى مذاهب وعوائل، ينتظر أن يعرف شعبه أن الإنسان لن يصبح ملاكا، حتى ينال حريته.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *