الرئيسية » قضايا وآراء » ماجد الشيخ : الأدلجة الدواعشية والقيم الإجرامية المضافة

ماجد الشيخ : الأدلجة الدواعشية والقيم الإجرامية المضافة

ماجد الشيخ
ماجد الشيخ

لا يرقى الخراب الداعشي إلى أي مستوى من مستويات بناء الدول، حتى البدائية منها، بل إن تخريب الدول والعبث بها وبمقدَّراتها وبمجتمعاتها، واحدة من آفات «الداعشيين» الذين لا يعدوننا إلا بالخراب، وبإقامة دولة استبدادية قديمة – جديدة على أنقاض الدول القائمة، وفوق هذا وذاك، لا يعدوننا إلا بالقتل وانتهاك الحرمات، وبالسبي واستباحة الأعراض والممتلكات، وبالعبودية لكل أفراد المواطنين ممن لا يدينون بـ «دينهم» ولا بـ «إيمانهم»، وإعادة فتح أسواق نخاسة لبيع وشراء النساء.

كل هذا ليس من دين الفطرة في شيء، إنه تدين سياسي ملغوم ومتفجر، يعتدي حتى على حرمات الأكثرية من المسلمين أنفسهم، ويفتش في عقولهم ومعتقداتهم عما يخرجهم من ملة واعتقاد الداعشيين، الذين وفق مزاعمهم «عصموا أنفسهم عن الخطيئة»، حتى وهم يكفّرون الأكثرية الكاثرة من المسلمين، ويلجأون للذبح والسحل وقطع الرؤوس.. إلخ، من فظاعات لم نشهدها سوى على أيدي النازيين والفاشست و«البول بوتيين» في كمبوديا، وعلى أيدي القوى القبلية المتصارعة في رواندا وبعض مجاهل أفريقيا.

أما الآن، وقد بتنا عمليا نخوض غمار مواجهة حادة، مع نظريات ووقائع تفكيك الدولة الوطنية، على علاتها ومهما تكن درجات ومستويات تطورها، في ظل الخشية من أن تتحوَّل إلى مجرد أطلال وهياكل مفرغة، الأمر الذي حتم ويحتم الدخول في مواجهة مباشرة مع عناصر هذا التفكيك الدينية والأهلية والسياسية، على حد سواء، مواجهة دامية بدأت نذرها منذ أن بدأ العمل على إجهاض عناصر وعوامل ثورات الربيع العربي، حينها بدأ النكوص عن قيم الدولة الحديثة، والتراجع عن الحقوق الدستورية، وسلب المواطن حقه في المواطنة والمضي بسلب حرياته، وحين بدأ التعاطي مع موزاييك التنوع والتعدد في هذه البلاد، كنوع من الزندقة والكفر، وفق اعتقادات فاسدة وممارسات ومسلكيات إجرامية بحق أبناء وبنات أوطاننا ممن يوصفون بـ «الأقليات»، والتعاطي معهم كأدنى من مواطنين مسلوبي الإرادة والحقوق، يتوجب سبي النساء منهم وبيعهن في سوق نخاسة معاصرة، أو طردهم من بلادهم ومن ديارهم.

وبذا لا يميز مجرمو «الأصولية المعاصرة» ودواعش «الحداثة الإمبريالية» بين ضحاياهم، ولا سيما وهم يحوّلون أولئك الضحايا إلى موضوع شارط للقتل والإجرام، فتعدد الهويات هو الاستفزاز الأكبر لهم، و«جريمة» الضحايا دائما أنهم «أخطأوا» و«يخطئون» على الدوام، كونهم مختلفين، لا متماثلين، حتى إنهم مختلفون «فرقيا» كذلك، أي أنهم جميعا، ومن دون تمييز بينهم، لا ينتمون إلى «هوية الفرقة» الموغلة في إجرامها الدموي، ولاسيما وهي تعاود التأكيد على هويتها المتضادة وروح الهوية، أياً كانت، بما هي صفة لكينونة متحققة، بل هي نفي لهذه الكينونة، وانعكاس شرطي لممارساتها، وهي تنحو نحو نفي الحياة، وإعدامها على مذبح إبراز تمايزها «الفرقي» عن ضحاياها، منظورا إلى كون هؤلاء الضحايا خارج الشرط الإنساني، بل خارج أي شرط يمكنهم من الاعتراف بهم، كبشر متساوين في شرط تحقق وجودهم الإنساني أولا، وكمختلفين بالضرورة عن هويات الآخرين من البشر.

هكذا يبلغ السيل الزبى، زبى الأدلجة الصارمة، بل وأكثر من الأدلجة، فقد بلغ الإجرام الداعشي أكثر بكثير من إجرام أنظمة الطغيان والاستبداد، وهي تمعن في إجرامها وجرائمها المضافة، وكأننا والحالة هذه في مواجهة استبدادين وطغيانين وإجرامين، يتماثلان في مستوى وإمكانيات سلوكهما وممارساتهما العابثة بوحدة اجتماع الدولة واجتماع الناس، وما يتخطاهما إلى وحدة تنوع وتعدد الاجتماع الإنساني ومشتركاته الأكثر قيمة من قيم الإجرام المضاف.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *