الرئيسية » آخر الأخبار » الإرادة الشعبية الشاملة خارطة الطريق نحو حوار وطني مثمر

الإرادة الشعبية الشاملة خارطة الطريق نحو حوار وطني مثمر

الشعب هو الأساس في بناء حاضر الوطن ومستقبله
الشعب هو الأساس في بناء حاضر الوطن ومستقبله

محمد الغربللي:
موضوع الحوار مع السلطة طُرح مجدداً على الساحة السياسية، للخروج من الأزمة الراهنة في طول البلاد وعرضها، وتناوله الأستاذان وليد الرجيب في صحيفة الراي يوم السبت الماضي، وحسن العيسى في صحيفة الجريدة يوم الأحد، وقد أبدى العيسى حيرته من موضوع الحوار، وحصره بالمشاركة في مجلس الأمة ضمن قانون الصوت الواحد.

وبعيداً عمَّا كتبه الزميلان، علينا تناول هذا الموضوع بشكل أعمق.

هذه ليست المرة الأولى التي يطرح فيها هذا الموضوع بصورة من الصور، حيث نتذكر أنه بعد تزوير الانتخابات عام 1967، جهاراً نهاراً، سادت في البلد حالة ركود سياسي، وظهر كمٌّ كبير من الأزمات، وكانت أيضا الأجواء محتقنة، وفي عام 1970، أصدر ولي العهد في ذلك الوقت رئيس مجلس الوزراء المغفور له الشيخ جابر الأحمد، بيانه الشهير، الذي دعا فيه الجميع إلى نسيان ما جرى من تزوير، وإلى عودة المشاركة الشعبية، وذلك بعد المقاطعة والخصام اللذين سادا في البلد.. وبناءً على هذه الدعوة جرت انتخابات عام 1971، وسط أجواء من الانفتاح والتفاؤل والانشراح السياسي، ولكن مع كل أسف لم تمر خمس سنوات إلا وقامت السلطة بحل مجلس الأمة وتعليق مواد دستورية وحل عدد من مجالس جمعيات النفع العام وإغلاق نادي الاستقلال بشكل تام ونهائي.. كانت سنوات قليلة ما بين خطاب سمو الأمير الراحل والإجراءات التعسفية التي اتخذت.

رقابة مسبقة

وبعودة الحياة النيابية عام 1981، بعد التعديلات بمراسيم على قانون الانتخابات، كان التصور والترتيب أن يتم تعديل عدد من المواد الدستورية، لتحويل الحياة النيابية والسلطة التشريعية بشكل عام إلى مجلس شورى، لا يحل ولا يربط.. نوع من المجالس الصورية في التمثيل الشعبي لا أكثر، ولكن السلطة لم تستطع إتمام ذلك.. ولم تمضِ سنوات قليلة إلا وأتى الحل الثاني عام 1986، وأيضا تعليق مواد دستورية، وفرض الرقابة المسبقة على الصحافة..

وبعد مرور أشهر، بدأ الحراك الشعبي لإعادة الحياة الديمقراطية بنضال سلمي وبإجماع شعبي عام، ممثل بعدد من النواب السابقين، الوثيقة الشعبية التي رفعت رايتها غرفة تجارة وصناعة الكويت، برئاسة المرحوم عبدالعزيز الصقر هي وثيقة مجموعة 45 ذات التمثيل الشعبي العام، وعلى أثرها تحرَّكت بعض النوادي الرياضية وجمعيات النفع العام، وجميعها كانت تطالب بعودة الحياة النيابية وإعادة العمل بالدستور.. وتم تتويج هذا الحراك باجتماعات يوم الإثنين، التي بدأت في ديوان المرحوم جاسم القطامي في الشامية، وامتدت في مناطق أخرى في الكويت، كيفان، النزهة، الخالدية، الجهراء، الفروانية.. وقتها ما ميَّز هذا الحراك، هو الإجماع الشعبي العام، بعيداً عن أي طرح طائفي أو قبلي، فالكويت كانت تحتضن الجميع، وهي الطائفة والقبيلة.. ونتيجة لهذا الحراك العام طُرح موضوع الحوار مع السلطة السياسية ضمن اجتماعات متعددة.. وبدلاً من تلبية المطالب الحقة للشعب الكويتي، وفق إرادته وتحركه، ابتكرت السلطة ما يُسمى «المجلس الوطني»، الذي وُلد مشوها، على الرغم من الرعاية الكبيرة التي أحاطت به.. ولم يمر شهر على ما يُسمى انتخاب أعضائه، (نتائج الانتخابات لم تُعلن، نظراً لضآلة أعداد الناخبين)، إلا وكان الغزو العراقي يطرق الأبواب، مهدداً بنزع البلد من على الخريطة الجغرافية.

ماذانريد؟

هذه هي التجارب التي مرَّت بها الكويت في موضوع الحوار من الناحية التاريخية، وبالتالي، فهي ليست المرة الأولى ولا الثانية التي تتم فيها الدعوة إلى الحوار، وكأنه أمر طارئ أو حديث.. فمع كل دعوة للحوار تنتج انتكاسة بعد سنوات وجيزة، ولابد من التوضيح بداية أن الموضوع ليس صوتاً واحداً أو عدة أصوات، ففي ذلك اجتزاء للموضوع، لا مانع من الصوت الواحد أو عدة أصوات أو صوتين إذا كانت الديمقراطية تطبق وفق مواد الدستور وروحه.. حصر الأمر في الصوت أو الصوتين فيه تقليص وإضعاف للموضوع.. فالسؤال الرئيسي، هل نريد – وأقصد الجميع- أن يمارس الشعب سلطته كما ورد في نص الدستور، أم ثمة هيمنة للسلطة السياسية عليه؟

إن ما يريده الشعب، هو تعزيز الديمقراطية وتحقيق العدالة والحريات والكرامة الإنسانية ومحاربة الفساد.. ومصدر السلطات يفترض أن يتوسع بسلطاته، فالشعب هو الأساس في بناء حاضر الوطن ومستقبله ومستقبل أجياله القادمة، عدا ذلك سيغدو البلد قرصا كبيرا من الحلوى يقتطع منه مَن يشاء من دون اعتبار.. وإذا كان الدستور قد حدد صراحة الشعب كمصدر للسلطات، فإنه – الشعب – يمارس السلطة السياسية عن طريق مجلس منتخب، من دون تدخل السلطة السياسية في الهيمنة عليه، والتجارب والممارسات علمتنا وأظهرت شتى أنواع الهيمنة.. كانت في القديم من الزمان عن طريق «تبزر» العين.. بعدها تحوَّلت لتقديم الخدمات وشراء النواب، وانتهت بالدفع النقدي لعدد منهم!

جميع تلك الأمور تصب في إطار هيمنة السلطة السياسية على السلطة التشريعية، بمختلف الصور والأوضاع.. لذا، فالحوار يفترض ألا يعبّر عن أشخاص، بل عن إرادة شعبية شاملة، كتلك التي جرت بعد عام 67 وعام 1986 وفي مؤتمر جدة عام 1990.. ويستلزم من الحوار أن يكون هناك إجماع شعبي يلتف حوله، بعيداً عن القبلية والطائفية والمناطقية.

لقد كانت لدينا تجارب ناصعة في ذلك منذ سنوات وسنوات، ويفترض اليوم أن يكون هناك إجماع وطني على المطالب المشتركة، كي يكون الأمر حاسماً، وإلى الأبد، حتى لا نقع في انتكاسات قادمة، كما يجب ألا ينحصر الحوار في تحقيق منافع ومطالب آنية، بل أن يكون بعيد المدى، لتشييد الحاضر وبناء المستقبل.. وكل هذا يفترض أن يكون تحت راية المادة السادسة من الدستور (نظام الحكم في الكويت ديمقراطي، السيادة فيه للأمة مصدر السلطات جميعاً)..

هذا ما ارتضيناه منذ ما يزيد على النصف قرن.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *