الرئيسية » ثقافة » ضمن عروض «استديو الأربعاء»: «السينما المستقلة».. أزمة المصطلح وتداعيات الواقع

ضمن عروض «استديو الأربعاء»: «السينما المستقلة».. أزمة المصطلح وتداعيات الواقع

لقطة من فيلم العزيمة
لقطة من فيلم العزيمة

كتب محمد عبدالرحيم:
تحت رعاية نادي الكويت للسينما، ينظم استديو الأربعاء شهراً خاصاً بعرض أعمال سينمائية تنتمي لما اصطلح على تسميته بـ «السينما المستقلة»، وقد استهل النادي عروض الشهر بالفيلم السوري «نصف ملغرام نيكوتين» إخراج محمد عبدالعزيز، على أن يتم عرض عدة أفلام من دول عربية مختلفة، كممثل لهذا الشكل من أشكال السينما، وهي بالترتيب الفيلم المصري «كليفتي» إخراج محمد خان، واللبناني «طيارة من ورق» للمخرجة رندة شهال، إضافة إلى عرض عدة أفلام كويتية.

وقبل الحديث عن الأفلام، نحاول تناول مفهوم ومصطلح «السينما المُستقلة»، الذي تكاد التعريفات حوله تناقض بعضها البعض من شدة الخلط، بخلاف الزاوية التي سنتناول فيها تعريف سمات هذه السينما وشكلياتها.

عماد النوري
عماد النوري

مقدمة تاريخية

بدأت فعاليات الشهر بمحاضرة بعنوان «السينما المستقلة في العالم العربي إلى أين؟» تحدَّث فيها مدير نادي الكويت للسينما الناقد السينمائي عماد النويري، وأدارها المخرج مشعل السالم.

استهل النويري المحاضرة بتقديم لمحة تاريخية سريعة عن ظهور هذا الشكل من السينما، بداية من توماس أديسون عام 1910 عندما حاول احتكار آلات العرض السينمائي، إلا أن بعض السينمائيين رفضوا الأمر، وظهرت شركات خاصة تقوم بعملية الإنتاج، تحوَّلت بعد ذلك إلى أكبر الشركات التي تفرض سيطرتها على الكم والكيف السينمائي، ليس في أميركا وحدها، بل امتد هذا النمط إلى العالم أجمع، ومنها شركات مثل شركة مترو ووارنر ــ فالأمر هنا يختص بعملية الإنتاج والتوزيع ودور العرض ــ ثم استقلال آخر جاء من خلال تيار التعبيرية الألماني، بعد الحرب العالمية الأولى، وهو بالتالي استقلال جمالي عن جماليات السينما السائدة وقتذاك، ثم استقلال ثالث ــ اقتصادي الدافع هذه المرّة ــ والمتمثل في الواقعية الإيطالية، التي خرجت إلى الأماكن الطبيعية، واستعمال تكنيك الكاميرا المحمولة، الذي يقترب من أسلوب الفيلم الوثائقي، إضافة إلى الممثلين غير المحترفين.

ثم أعقب ذلك أفلام الموجة الجديدة في فرنسا ــ والتي سبقتها موجة من التنظير الحاد، تمثل في دورية «كراسات السينما»، ومن خلال ناقد فرنسا الأشهر أندريه بازان ــ وأكد النويري أنه حتى «سينما الدوجما» التي ظهرت في منتصف تسعينات القرن الفائت، والتي قامت من خلال أشهر مخرجيها، الدنماركي لارس فون تيرير الذي اعتمد تقنية الديجيتال، واستعان بموسيقى المكان، من دون تأليفها خصيصاً، أو أن تعزف في المكان نفسه، فضلا عن أن الإضاءة إلى حد كبير غير مصنوعة، وتقترب من الإضاءة الطبيعية ــ إلا أن تيرير نفسه لم يستطع الالتزام بهذه القواعد للنهاية، ولعل أفلامه الأخيرة تدل على العودة إلى نظام الإنتاج الضخم، مقارنة بأفلامه التي حاول فيها تطبيق نظريته التي لم تصمد طويلاً، ربما فيلمه الأشهر (راقصة الظلام) هو الممثل لهذه الحركة.

في السينما العربية

ثم تطرَّق النويري إلى السينما العربية، معتبرا أن فيلم «العزيمة» لكمال سليم يصنف أنه من السينما المستقلة، لأنه خرج عن نظام الاستديو، كما أن أفلام شاهين تعد كذلك، لابتعادها عن الأفكار والجماليات السائدة، ونرى أنه توسع كثيراً في اعتبار هذه الأفلام داخل إطار الاستقلال السينمائي، ربما للتدليل فقط على أن المعيار ــ معيار الاستقلال هذا ــ لا يفي بنفسه تعريفاً، فهل يكمن الاستقلال في الابتعاد عن مؤسسات الدولة؟ أم في اعتماد الميزانيات المنخفضة؟ أم الجماليات المُغايرة للسائد؟

التقنية

ربما من الممكن معرفة أو تتبع الأمر في تاريخ السينما العالمية، والظروف السياسية والاجتماعية التي خلقت مجالاً لظهور هذا الشكل من السينما ــ مع ملاحظة أن مسألة التنظير تأتي دوماً بعد العملية الإبداعية، وإنتاج العمل الفني ــ فلم يدر في خلد الإيطاليين أو الفرنسيين أن يطلقوا على ما فعلوه بأنه «سينما مستقلة»، كما أن عملية تصوير الفيلم كانت تنتهج الآليات نفسها التي تنتهجها السينما التجارية، من حيث استخدام الخام السينمائي، والمرور بالعمليات نفسها من تحميض الخام، ووسائل العرض، فإلصاق مصطلح الاستقلال هنا لا يتعدى عملية الإنتاج خارج نطاق الاستديوهات الكبيرة، بحثاً عن تنفيذ الأفكار المرفوضة من قِبل السينما التجارية، والسوق السينمائية.

أما في عالمنا العربي، فالأمر يقتصر على التقنية (عصر الديجيتال)، حيث الكاميرا الخفيفة، والتسجيل على الشرائح الإلكترونية، من دون شريط السلولويد/الخام. إضافة إلى العمل بأدوات إضاءة ليست بضخامة سينما المؤسسات الإنتاجية، فالتقنية الآن هي الأساس، لأن المعايير الأخرى تختلف من فيلم لآخر، وإن كان انتشار المصطلح قد انتشر ليضم أشكالاً واتجاهات مختلفة للسينما، إلا أنه لم ينجح حتى الآن في إنتاج «تيار» يمكن أن نطلق علية تيار السينما المستقلة.

الدعم والتمويل

والمؤكد لما سبق ذكره، أن هناك أفلاماً تدعم بالكثير من الأموال، ويبدو إنتاجها يُماثل إنتاج الأفلام النمطية ــ من حيث الضخامة ــ ويتم عرضها بدور العرض السينمائي، إذاً توافرت لها فرصة التواصل مع الجمهور، ولكنها لم تزل مُصرّة على كونها مُستقلة! فعن أي شيء استقلت؟! فهناك ميزانيات ضخمة، يتم البحث عنها من خلال منح الدعم المختلفة، ولم يبقَ سوى الاشتراك في تقنية الديجيتال، حتى أصبح هناك مَن يحترف صياغة الأفكار، لتتوافق مع جهة الدعم هذه أو تلك.

الحركة النقدية والتجارب الفنية

يبدو أن سمة «الفيلم المستقل» في العالم العربي تتسع، لتشمل أي فيلم يُصوّر بالديجيتال، مهما كان مستواه الفني ــ جمالياً أو تقنياً ــ وبالتالي يخرج عن المُتابعة النقدية، اللهم التعرّض له في الصحف، والعرض في المهرجانات التي أصبحت ترفع بدورها شعار «المهرجان المُستقل»، فلا توجد حركة نقدية جادة، كما لا توجد حركة سينمائية مستقلة جادة، الأمر لا يعدو كونه تجارب متضاربة ومتداخلة، ومتباينة المستوى، ولا يشفع لها الوصول لهذا المهرجان أو ذاك.. والدليل الكم الهائل من الأعمال، التي يصر أصحابها على أن يُطلق عليها مُسمى «الفيلم»، ويُضيفون كلمة «مستقل»، ليحقق قدراً وهمياً من التعالي بأن صاحب العمل لا يريد منه سوى تحقيق جماليات وأفكار ترفضها المؤسسة الإنتاجية المُسيطرة داخل الدولة ــ أياً كانت الدولة ــ أو لتجسيد جماليات أغلبها مُشوّش، ويخرج عن نطاق العمل السينمائي تماماً، كما نجد أن بعض هذه الأعمال ما هي إلا تقليد لشكل فيلمي غربي تماماً، يحاول صاحبه إقحامه داخل عمله، حتى لو كان عمله هذا يتحدث عن الفئات الفقيرة، والشوارع والحواري الشعبية، يتفق في ذلك مخرج مبتدئ أو محترف، وجد في الديجيتال إعادة الحياة لمحاولاته التي لم يعد يدور الحديث عنها إلا حول أبخرة الشاي في المقاهي أو الكافتيريات الراقية، أو حتى المهرجانات التي تتوسل بوجوده، وهو الآخر يتوسل بها لاصطناع أهمية زائفة.

لتكن تجارب

وطالما الأمر في إطار التجربة ــ من دون التهليل لكل ما يُعرض ــ فهو مقبول، حتى تنضج هذه التجارب، وينتج عنها أعمال لا تتوسل التقنية والتعالي الأسلوبي، وادعاء التجديد الفكري والجمالي للسينما، فالعمل السينمائي سيظل هو الاختبار الحقيقي للفنان، وصموده هو المعيار، وهنا سيتحول الأمر من مجرد «الموضة» إلى حالة فكرية قادرة على التغيير، وإحداث وعي سينمائي جديد على المستوى الفكري والجمالي، من دون الاقتصار على التقنية والشكل.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *