الرئيسية » آخر الأخبار » هل سنشهد قريبا ولادة «سايكس بيكو» جديدة برعاية أميركية؟

هل سنشهد قريبا ولادة «سايكس بيكو» جديدة برعاية أميركية؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما
الرئيس الأميركي باراك أوباما

محمد الغربللي:
مجموعة من الحلقات تشكل في النهاية سلسلة واحدة متواصلة.. قد تكون حلقة واحدة لا تعني شيئا أو لا يستفاد منها، ولكن مع ترابطها تصبح ذات قيمة وبيع وشراء، كما نجدها في محال الأدوات..
حلقة أولى تمثلت بتكبد وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس العناء للذهاب إلى مطار فرنسي والوقوف أمام سلم الطائرة، ليس لاستقبال ضيف أو زميل له في المنصب، بل لاستقبال مجموعة من المسيحيين العراقيين ومصافحتهم واحدا تلو الآخر عند وصولهم إلى فرنسا.. يمكن أن يكون هذا الاستقبال من دون تصوير، ولكن كاميرات التلفزة تصور وتبث المشهد على القنوات الفرنسية، ما يبعدها عن الجانب الإنساني، ويحولها إلى رسالة سياسية موجهة لمسيحيي الشرق الأوسط، أو بالتحديد الدول العربية، مفادها أن هناك حكومات أوروبية -حتى لو كانت حكومات اشتراكية علمانية- تستقبل المسيحيين في حال تعرضهم لأي انتهاكات من تنظيمات إرهابية مثل «داعش» أو «النصرة».. وهي تنظيمات كانت محل رعاية وتمويل من أصدقاء لفرنسا وغير فرنسا طوال الحرب الدائرة في سوريا.

تشخيص أوباما

حلقة أخرى هذه المرة من الولايات المتحدة الأميركية.. فبموجب «التحاليل الطبوسياسية» للرئيس أوباما، يتم اكتشاف أن «داعش» وأخواتها تشكل سرطانا يجب القضاء عليه، ولهذا أرسل المقاتلات الأميركية والطائرات بدون طيار لمواجهتهم في العراق، بعد تمددهم وإنشاء دولة إسلامية في مناطق كبيرة جداً من العراق وسوريا.. ويعلن الحرب الفردية لأميركا ضد تنظيم داعش العراق، بعد أن تخطى الحدود نحو منابع كبيرة للنفط في شمال العراق، وإمكانيات استيلائه على حقول نفطية كبيرة أخرى ومصفاة بترول هناك.. وحتى لا تكون الحرب انفرادية لمواجهة هذا السرطان وفق تشخيصه المتأخر، أخذ يدعو إلى قيام تحالف دولي كبير، لمواجهة هذا الخطر، وتم بحث موضوع هذا التحالف الأسبوع الماضي في اجتماع حلف شمال الأطلسي، ومن الدول المجتمعة تركيا، التي سهلت بقدر كبير لقوات من «داعش» الدخول إلى سوريا منذ سنوات، وعلى أراضيها تم الحشد والتدريب طوال سنوات.

هذا التحالف الذي يدعو إليه الرئيس أوباما يضم دولا من الشرق الأوسط، ولكل دولة أن تقدم ما باستطاعتها من تمويل أو جيوش أو تواجد عسكري، فباب الانضمام إلى التحالف مفتوح للجميع بكافة أوجه الدعم.. من دون وجود محددات جغرافية لأي أداء عسكري لهذا التحالف، إن كان ذلك في العراق أو سوريا.. كما أنه صدرت تصريحات من أوباما نفسه، بأن هذا التحالف لن يشمل النظام الحالي في سوريا، وهذا يعني أنه لا تنسيق معه في حال قيام التحالف بشن ضربات عسكرية أو حتى دخول قوات عسكرية إلى الأراضي السورية، وكعادة الحكومة الفرنسية الحالية، كما سابقتها، فهي تذهب مذهب أن تكون ملكية أكثر من الملك تجاه المواقف الأميركية، وتضع نفسها برسم الطاعة العمياء، ولهذا أتت تصريحات الرئيس الفرنسي هولاند ضد النظام السوري بوصفه «الوجه الآخر لداعش».

صيحات أقليمية

حلقة أخرى تمثلت بارتفاع صيحات إقليمية تحذر من خطر «داعش»، وتتنبأ لها بالتمدد في أوروبا وأميركا، مع أن الحاضنة السياسية والاجتماعية والفكرية لهذا التنظيم وغيره من التنظيمات المتطرفة موجودة في دولنا، ما دامت حكوماتها تحتكر السلطة والثروة والإنسان، ما جعل الظلم يتنامى فيها.. صرخات كثيرة، ولكن لا أذان صاغية، ولا أدل على ذلك من قيام وزير العدل اللبناني أشرف ريفي بتحويل عدد من اللبنانيين إلى التحقيق، من جراء حرقهم لعلم «داعش» الأسود.

ليس لنا دخل بإحراق العلم، كما أنها لا تشكل حلقة ضمن هذه السلسلة المتواصلة.. ولكن الموضوع يأتي في سياق واحد بين دول ترعى مثل هذه التنظيمات، وإن لم يقم بعضها الآن بذلك، فقد كان يقوم به في السابق بشكل مباشر أو من خلال جهات تعمل تحت ناظريه.

وقبل قيام الحلف الأممي الذي دعا إليه أوباما، إضافة لشن طائراته الحربية غارات على مواقع «داعش» في شمال العراق، أرسلت دول عدة، على رأسها ألمانيا، فرنسا، بريطانيا وأستراليا، كمية من الأسلحة إلى قوات البشمركة الكردية، وستتم بلورة الوضع العسكري بعد اجتماع «الناتو»، الذي عُقد الأسبوع الماضي.

بنيامين نتنياهو
بنيامين نتنياهو

الموقف الإسرائيلي

حلقة أخرى يفترض عدم إغفالها، وهي تصريح رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو منذ أيام، قائلا إن «إسرائيل لديها الاستعداد لشن الحرب على غزة، ليس لمدة خمسين يوماً، بل لخمسمائة يوم»، وأضاف أن «هناك ظروفا دولية استدعت إيقاف الحرب».. قد يكون هذا التصريح للاستهلاك الإسرائيلي الداخلي، ولكن لابد من ربط هذا التصريح بأن قرار إيقاف الحرب لم يتم عن طريق مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغر (الكابينت)، بل عن طريق أربعة وزراء، خشية أن تكون هناك مساومات سياسية داخل «الكابينت» تعطل إيقاف الحرب.. يُضاف إلى ذلك إعلان إسرائيل منطقة الجولان منطقة عسكرية، وهذا يتناغم ويتماشى مع سيطرة المعارضة السورية المسلحة على منطقة القنيطرة، وعادة لا تتم مثل تلك التوغلات والسيطرة إلا بمساعدة معلوماتية ولوجستية من جهة ما.

مشروع الغاز

في فترة ما قبل الأحداث الجارية حاليا في سوريا، كان هناك مشروع تمديد أنابيب الغاز من منطقة الخليج عبر سوريا، لتكون مصدر تصدير مباشرا للدول الأوروبية.. مشروع لمواجهة الهيمنة الروسية لتصدير الغاز إلى دول أوروبا، التي تعتمد على الغاز الروسي في مصافيها، وبالذات ألمانيا، سوريا لم توافق على هذا المشروع، وذلك بترتيبات وترضيات بينها وبين روسيا، فمن شأن مد هذه الأنابيب نزع، بقدر ما، ثقل استراتيجي اقتصادي من روسيا الاتحادية.. موقف لم تنسه موسكو، فحرب الغاز والبترول قائمة، وتشكل المحرك الرئيس للاقتصاد الأوروبي.. بعد الرفض السوري لهذا المشروع، يبدو أن هناك قراراً للتخلص من النظام السوري، وعلى أي حال، هذا ما صرَّح به بوش الابن صراحة بعد دخول القوات الأميركية والبريطانية العراق عام 2003.

فلاديمير بوتين
فلاديمير بوتين

رسالة بوتين

يُضاف إلى هذه الحلقة الأوضاع العسكرية المتوترة في أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا.. روسيا تريد حماية مصالحها، ونبرة خطابها في تصاعد مستمر، ومن جهتها الدول الأوروبية أعلنت المقاطعة الاقتصادية ضد روسيا.. والأخيرة تلوح بسلاح الغاز، بل ذهب بوتين أبعد من ذلك في حديث له بالتذكير بأن «روسيا دولة نووية»!

الرسالة واضحة للدول الأوروبية والولايات المتحدة، ألا تنظر إلى روسيا على أنها بلد قابل للاستضعاف، وأنه «كما تقاطعون نقاطع، وأنت أشرتم إلى الإمكانات العسكرية، وروسيا لديها ما لديكم».
حرب النفط اشتعلت منذ عقود طويلة بين الدول الأوروبية وما مواجهة الاتحاد السوفييتي سابقا، والمواجهات الدولية حاليا إلا وكان البترول والغاز الباعث الرئيسي لها بكل الأبعاد الإقليمية.. وهذه الحرب لم تخفت حدتها، بل ازدادت ضراوة.

قصة الحرب العالمية الأولى

هناك قصة قصيرة أحداثها لا تتجاوز الأيام، لكن نتائجها لاتزال قائمة حتى يومنا هذا.. تقول القصة إن شاباً عمره 19 عاما يُدعى غافريلو برينسيب، كان يهرول مذعوراً في أحد شوارع سراييفو وليهدئ من روعه جلس على كرسي أحد المقاهي متوتر الأعصاب يتلفت يميناً ويساراً..

كان من الواضح أنه يهرب من حدث ما، وهذا الحدث كان فشله في محاولة اغتيال إمبراطور النمسا وهنغاريا فرانز فرديناند أثناء زيارته لسراييفو.. هناك جرحى تم إرسالهم إلى المستشفى، إلا أن الإمبراطور لم يمت.. وهو جالس على الكرسي شاهد غافريلو وصول الإمبراطور وزوجته في مركبتهما إلى المستشفى، للاطمئنان على الجرحى.. دسَّ يده في جيب بنطاله وتحسس مسدسه الذي لايزال معه.. توجه لموكب الإمبراطور وأطلق الرصاص عليه وعلى زوجته وأرداهما قتيلين.. كان ذلك في 1914/6/28.. وما إن انقضى شهر حتى أعلنت النمسا الحرب على صربيا، في حين وقفت روسيا القيصرية ضد هذا الإعلان.. ألمانيا بدورها أعلنت الحرب على روسيا، وانضمت إلى إمبراطورية النمسا، وكان ذلك في 1914/8/1، وبعد أربعة أيام، أي في 1914/8/4، دخلت بريطانيا وفرنسا الحرب ضد ألمانيا والنمسا.. وكان هذا اليوم بداية الحرب العالمية العظمى، كما كانت تسمى، فلم تكن هناك حرب ثانية بعد.. حرب استمرت أربع سنوات راح ضحيتها 10 ملايين نسمة!

ترى لو لم يجلس غافريلو في المقهى وعاد إلى بيته بعد فشل عملية الاغتيال، هل كانت تقوم تلك الحرب؟

بالطبع ليس هذا إلا افتراض، فبارود التنافس الاستعماري كان على أشده في مطلع القرن التاسع عشر بين الدول الأوروبية.. والقنابل القابلة للانفجار متعددة، وكانت هناك بدايات للتنافس الاستعماري على النفط والثروات في آسيا وأفريقيا.. وحتى لو عاد الشاب غافريلو إلى منزله، لكان هناك سبب آخر وراء اندلاع الحرب العالمية الأولى.. أربع سنوات من حرب طويلة ومهلكة للبشر، ولا نغفل ذكر أنه أثناء تلك الحرب جرى تقسيم دول، وتم ترسيم حدود سوريا والعراق ولبنان والأردن، بموجب اتفاقيات سايكس بيكو عام 1917، كما جرى إعلان بلفور لقيام وطن قومي لليهود، وأيضا جرى فصل يوغوسلافيا عن الإمبراطورية النمساوية، وإجبار ألمانيا على توقيع عقد إذعان لبريطانيا وفرنسا.

ترتيب الأوضاع

التاريخ لا يعيد نفسه، لكن الصور والأحداث التاريخية جزء من حلقات الحاضر.. ولا يمكن فصلها مع زيادة الحديث عن «سايكس بيكو» جديدة قد تغير حدود المنطقة.. والضحايا هم الشعوب العربية، ففي الوقت الحالي كم من القتلى يوميا في العراق ومثلهم بالآلاف في سوريا وبين وقت وآخر في غزة والضفة الغربية.. وربما في ظل هذه الأوضاع ستكون الأحداث القادمة أشد وأقسى.. فالتنافس على مصادر الطاقة على أشده، وترتيب الأوضاع للعقود القادمة محل تخطيط وتنفيذ من الدول المهيمنة.. قد تكون «داعش» وأخواتها ذات الصبغة الأميركية- الغربية الطعم- هي المعبر الذي من خلاله يتم التغيير، ولكن نحو الأسوأ.

وكما كانت حادثة الاغتيال صغيرة الحجم ولعبت الصدف في اتجاه نتائجها في أوقات زمنية غائب عنها التخطيط والمتابعة والمعلومات، فإن ما نشاهده من حلقات في محيطنا الإقليمي قد ينبئ بمزيد من الأحداث والتطورات في المنطقة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *