الرئيسية » آخر الأخبار » إلغاء دعم كهرباء العقار الاستثماري مصيبة على المواطن والمقيم

إلغاء دعم كهرباء العقار الاستثماري مصيبة على المواطن والمقيم

استثمار-عقارات-الكويت-سكن-مدينةكتب محرر الشؤون الاقتصادية:
بعد خطوة إلغاء الدعم عن مادة الديزل، والتي سيكون لها انعكاساتها على أسعار كثير من السلع، ما يؤثر في حياة المواطنين، تعتزم الحكومة اتخاذ خطوات جديدة في عملية تخفيف الدعم عن السلع والخدمات التي تقدمها للمواطنين، فقد أكدت تقارير صحافية مطلع الأسبوع الجاري عزم الحكومة، ممثلة في وزارة المالية، إعداد دراسة لإلغاء الدعم عن الكهرباء والماء للمؤسسات والهيئات الحكومية، كخطوة ثانية، بعد تنفيذ قرار إلغاء دعم وقود الديزل.

وتشتمل الدراسة أيضا على توجه وزارة المالية إلى وضع تسعيرة جديدة لأسعار الكهرباء، في ما يخص العقار الاستثماري، والعقار التجاري، مع الإبقاء على التسعيرة المعمول بها في العقار السكني، وزيادة الرسوم على بعض الخدمات الحكومية، هذا بالإضافة إلى بحث 18 بندا تتعلق بالدعومات الحكومية، وذلك ضمن خطة وبرنامج الإصلاح المالي التي تحدَّث عنها وزير المالية أنس الصالح الأسبوع الماضي، والتي أعدَّتها وزارة المالية، بالتعاون مع البنك الدولي لإصلاح الإدارة المالية للدولة، حيث سيتم الانتهاء من هذه الخطة قبل دور انعقاد مجلس الأمة المقبل، لعرضها على المجلس.

وبالنظر إلى بنود الدعم التي تحدثت عنها الخطة، نجد أن الحكومة محقة في عملية إلغاء الدعم عن الكهرباء والماء للمؤسسات والهيئات الحكومية، فالهدر في الكهرباء والماء في المؤسسات والجهات الحكومية وصل إلى أشده، وبلغ مدى كبيرا جدا، فبعض هذه الجهات والوزارات يصل استهلاكها من الكهرباء والماء إلى ملايين الدنانير سنويا، والكثير منها لا يدفع قيمة هذا الاستهلاك للدولة منذ سنوات، ومتراكم عليها ملايين الدنانير، نتيجة هذا الاستهلاك.. أما زيادة الرسوم على بعض الخدمات الحكومية، فقد تكون الحكومة محقة أيضا في هذه الخطوة، إذا كانت هذه الخدمات تمس الشريحة المقتدرة ماديا فقط، على سبيل المثال تراخيص السيارات الفارهة واليخوت، وما شابه ذلك من خدمات لا تقدم عليها إلا فئة الأغنياء.. أما إذا كانت زيادة الرسوم ستمس الخدمات التي تمس الشريحة غير المقتدرة ماديا، فهذه كارثة ستحل على الجميع، فكل مَن يقيم على أرض الكويت، فإن حياته وحياة أسرته مرتبطة بمئات المصالح الحكومية، وإذا تمَّت زيادة الرسوم في هذه الجهات، فسيكون الأمر كارثيا على الجميع.

المصيبة الكبرى

أما في ما يخص وضع تسعيرة جديدة لأسعار الكهرباء للعقار الاستثماري والعقار التجاري مع الإبقاء على التسعيرة المعمول بها في العقار السكني، فهذه هي المصيبة والطامة الكبري التي ستقع على المواطن والمقيم على أرض الكويت، فإذا كان تأثير زيادة الكهرباء في العقار التجاري سيقع على الشركات وأصحاب الأعمال التجارية فقط، فإن التأثير الأكبر من زيادة الكهرباء في العقار الاستثماري (الشقق السكنية) سيقع على المواطن والمقيم، فالأمر بديهي، ولا يحتاج إلى أدنى تفكير، فأي زيادة في أسعار الكهرباء سيجنيها المالك 10 أضعاف من المستأجر، وسنجد ارتفاعا جنونيا في أسعار الإيجارات، وخصوصا في ظل عدم وجود قانون إيجارات جيد ينظم العملية الإيجارية بدقة، ويحمي المستأجر من طمع الملاك، وهو ما تحدَّثت عنه «الطليعة» منذ أسابيع قليلة، وسيكون الأمر كارثيا على كل من يسكن بالإيجار في الكويت، وستزداد أعباء السكن، ولن يقوى عليها أصحاب الدخل المتوسط، وقد يظن البعض أن الحكومة تنبهت إلى هذه المشكلة، ولن تزيد الأعباء على كاهل المواطن بالإبقاء على التسعيرة المعمول بها في العقار السكني، وهذا الأمر غير صحيح، فالحكومة بهذا التفكير تدعم الأغنياء، الذين يملكون قسائم سكنية في السكن الخاص، وتعاقب مَن لا يملك مسكنا ويسكن بالإيجار في العقارات الاستثمارية، مع العلم أن الحكومة هي التي حرمت هؤلاء حتى الآن من امتلاك مسكن خاص، من خلال إهمالها حل المشكلة الإسكانية، حتى وصلت الطلبات الإسكانية إلى ما يقرب من 120 ألف طلب إسكاني، يسكن نحو 80 في المائة من أصحابها في سكن بالإيجار، واليوم الحكومة تعاقب هؤلاء على خطأ ارتكبته هي، بزيادة الكهرباء التي سيصاحبها ارتفاع الإيجارات، فأي تفكير هذا الذي تسير عليه الحكومة؟ ولماذا لم تأخذ دراسة وزارة المالية التي أعدَّتها مع البنك الدولي، والتي بالتأكيد تكلفت ملايين الدولارات هذه الأمور في عين الاعتبار؟ أم أن الأمر هو وضع دراسات، لمجرد أن يتباهى المسؤولون أمام وسائل الإعلام بالقول «إننا وضعنا دراسة مع البنك الدولي»، من دون النظر إلى العواقب الوخيمة لهذه الدراسات؟ والمؤكد أنه لو أن واحدا من هؤلاء المسؤولين يسكن بالإيجار، لما وافق على هذه الدراسة.

ليس هكذا الإصلاح

قد يظن البعض أننا ضد اتخاذ الحكومة خطوات إصلاحية تهدف إلى الحد من الإنفاق في الميزانية، ولجم المصروفات، وتوفير مزيد من الأموال، لكن هذا غير صحيح، فالخطوات الإصلاحية في الميزانية مطلب الجميع، ولكننا ضد أن تكون هذه الخطوات التي تدعي الحكومة أنها «إصلاحية» ذات تأثير على حياة المواطن والمقيم على أرض الكويت، وتتسبب في موجات غلاء لا يستطيع الوقوف في وجهها أحد، والأجدر بالحكومة إصلاح الاقتصاد ومحاربة الفساد، والقضاء على الهدر المالي الكبير في الجهات الحكومية، الذي يحمّل الدولة مئات ملايين الدنانير سنويا، بدلا من إلغاء دعومات ذات تأثير كبير على حياة الشريحة غير المقتدرة ماليا في المجتمع، فالإصلاح لا يكون بتحميل هذه الشريحة ما لا تستطيع تحمله، فهناك مئات البنود في الميزانية يمكن التوفير فيها، بعيدا عن البنود التي تمس حياة تلك الشريحة.

عجز حكومي

في الوقت الذي تتحدَّث فيه الحكومة عن إلغاء الدعم عن بعض المواد، مثل: الديزل والبنزين، وتقليله على الكهرباء، في محاولة لضبط الإنفاق في الميزانية العامة للدولة، نجد الهدر والإسراف المالي في القطاع الحكومي يفوق سنويا ما تعتقد الحكومة بأنها ستوفره من إلغاء هذه الدعومات، فكم من الأموال أهدرت، بسبب التخبط في الإدارة وحرب المصالح، وليس أدلّ على ذلك من غرامة «الداو» المليارية ، وكم من المليارات أهدرت باسم التنمية، التي لا وجود لها، ومصيبة خطة التنمية ذات الـ 125 مليار دولار مازلنا نعيشها، وكم من الأموال أُهدرت على مشاريع، ثم بعد تنفيذها وجدنا أنها لا تصلح، والأمثلة على ذلك كثيرة ومتعددة، وبعد كل هذه الأموال المهدرة نجد الحكومة تعتقد بأنها بإلغائها الدعم المقدم للسلع التي يحتاجها المواطن في حياته اليومية ستحل المشكلة وستعالج خلل الميزانية.

إن الحكومة لم تستطع معالجة الفساد والهدر المالي في أكثر من جهة، ولم تستطع الحديث عن هدر مئات الملايين من الدنانير في الزيادات السنوية على رواتب وأجور فئات بعينها، إرضاءً لرغبات نيابية، وكسبا لتأييد نيابي في تمرير قوانين والسكوت عن قضايا بعينها، لم تستطع الاقتراب من كل هذا، وأول ما فكرت فيه هو رفع الدعم عن سلع وخدمات يستفيد منها المواطن البسيط، الذي بالكاد راتبه يكفي سد الأعباء المعيشية المتزايدة.

الجدية في الإصلاح

إن المنطق والعقل يقولان إن الحكومة إذا كانت جادة في إصلاح خلل الميزانية حقا، فعليها القضاء على الفساد والهدر المالي المسيطرين على مؤسسات ووزارات الدولة، فالكويت وفقا للإحصائيات جاءت بأعلى نسبة فساد خليجياً في عام 2013، وتراجعت وفقا لمؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية في 2013، من المرتبة 66 في عام 2012، إلى المرتبة 69 عالميا في عام 2013.
ووفقا لمؤشر مدركات الفساد، احتلت الكويت المركز السابع عربيا والأخير خليجيا، فيما جاءت دولة الإمارات العربية المتحدة في المركز الأول عربيا وخليجيا، ويُعد مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية بمنزلة تحذير من إساءة استخدام النفوذ، والتعاملات السرية، والرشوة، والسيطرة على مؤسسات الدولة لتحقيق مآرب خاصة، والفساد في الإشراف على العقود العامة الكبيرة.. وكل هذا من مخاطر الفساد الكبرى، وهي المشكلات الرئيسة في تخريب اقتصادات الدول في شتى أنحاء العالم.

والمؤكد أن هذا النجاح الذي حققته دولة الإمارات في القضاء على الفساد، بالإضافة إلى مجموعة من العوامل الأخرى، جعلها تصل إلى هذا التقدم والازدهار الذي هي عليه الآن، ونجحت في تنويع مصادر دخلها ومعالجة أي خلل في ميزانيتها، وحققت هذا المستوى من الرفاهية لمواطنيها، ولم تفكر الإمارات في إلغاء دعم سلعة عن مواطنيها، لتغطي فشلها في ضبط الإهدار في ميزانيتها، واللافت في تقرير مدركات الفساد 2013، أن كل الدول الخليجية، إما حافظت على ترتيبها لعام 2012، أو أحرزت تحسنا في 2013، باستثناء الكويت، التي سجلت تراجعا في هذا المجال.

والغريب أن الحكومة تركت كل هذا وتتحدث عن إلغاء دعم سلعة تستفيد منها الشريحة الأكبر في المجتمع. إن الأجدر بالحكومة بدلاً من التفكير في إلغاء دعم سلعة أو سلعتين، لإصلاح خلل الميزانية أو تقليل التكلفة أن تحارب الفساد وتقضي عليه، فهذا هو الخلل الرئيس في الميزانية، وليس دعم السلع، والإصلاح يبدأ من محاربة الفساد، وتنويع مصادر الدخل والتنوع الاقتصادي، وهذا الأمر أكدته تقارير صندوق النقد الدولي وتقارير البنك الدولي، وهي ذات التقارير التي ترتكن عليها الحكومة في إلغاء الدعم، فلماذا تأخذ الحكومة بتقارير بعينها، وتتجاهل تماما تقارير أخرى، وكأنها ليس لها وجود؟!

لقد أكدت تقارير صندوق النقد، أن علاج مشكلات الكويت الاقتصادية معروف، ويقوم على الارتقاء بأهداف التنوع الاقتصادي، وتوفير الحوافز لتوظيف المواطنين في القطاع الخاص غير النفطي، واحتواء نمو أجور ووظائف القطاع الحكومي، وإجراء إصلاح شامل لتحسين الأداء الاقتصادي، وتحفيز نمو القطاع الخاص، وقد تلقت الكويت هذه النصائح أكثر من مرة من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ومن جهات اقتصادية أخرى، ولم تنفذها على أرض الواقع، ولم تعمل بها في كثير من الحالات.. وهذه كلها أهداف الأجدر أن تخطط الحكومة لتحقيقها، قبل أن تفكر في إلغاء الدعم، وينحصر تفكيرها في إلغاء دعم بعض السلع الضرورية للمواطن، معتقدة بأن هذا هو الإصلاح.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *