الرئيسية » قضايا وآراء » ماجد الشيخ : نذر انتصارات تراكمية في الحروب المتواصلة

ماجد الشيخ : نذر انتصارات تراكمية في الحروب المتواصلة

ماجد الشيخ
ماجد الشيخ

في الحروب لا يجري تحديد المنتصر والمهزوم، إلا حين تتوقف المعارك وتتوقف جولاتها، وليس في انتظار جولة قادمة أخرى، عادة ما يتوقع لها أن تنشب بعد عام أو عامين أو ربما أكثر قليلاً. وانتهاء جولة الحرب في غزة (طبعة 2014) لا يعني أن الحرب انتهت، وبالتالي لا يمكن اعتبار الصمود والقتال البطولي وكأنه من نوع الانتصار الناجز، بل هو نوع من الانتصار المعنوي التراكمي، انتصار أولي يضع الروح القتالية بمنزلة الاستعداد الدائم لمواجهة التحديات، وكسر هيبة ما يسمى الردع، بل وضع الردع المقابل في منزلة الردع الذي يخشاه العدو، بدلا من خشيتنا نحن من العدو.

وهذا هو بعض مما تحقق في جولة القتال الأخيرة، التي لما تنتهِ بعد، كجزء من حرب أو سلسلة حروب طويلة، ضمن سرديات حرب تحررية دائمة، إلا إذا اعتبرنا الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، ومع تحققات المشروع الصهيوني على الأرض الفلسطينية، بات «طبيعياً»، وليس هناك ما يستدعي النظر إليه نظرة استراتيجية، بعيدة المدى، ترمي إلى تحرير الوطن، لا تحرير قسم منه، واعتبار الصراع منتهيا، في حال تحقق حلم الدولة الفلسطينية المستقلة على جزء من الضفة الغربية والقليل القليل من القدس.

ومع أن الواقع العملي، وبوجود السور والمستوطنات، وبناء المزيد من الوحدات الاستيطانية المضافة، بحجة «التوسع السكاني»، قضى على إمكانية بناء دولة فلسطينية مستقلة، وفق ما يسمى «حل الدولتين»، فلهذا ستبقى المفاوضات تفشل بالوصول إلى كامل قضايا المفاوضات الست، وأبرزها الحدود والترتيبات الأمنية، التي طالما كانت المفاوضات تبتدئ بها، اعتقادا من الطرفين المتفاوضين أنها الأسهل من بين قضايا المفاوضات الأعقد، فيما لو خلصت نوايا الطرف الإسرائيلي.

ولم تكن لتخلص طوال أكثر من عقد من المفاوضات العبثية، وهنا مأزق العلاقة بين المفاوض الفلسطيني وإسرائيل كمؤسسة لا تسعى إلى حل أو تسوية سياسية لقضية الصراع الفلسطيني – العربي معها، إلا إذا كانت مكرهة على ذلك، تماما كما حصل أثناء الحرب الأخيرة على غزة.

ولم يكن فوزاً سهلاً ما حققته المقاومة الوطنية الفلسطينية، بكل أطيافها، في مواجهة جيش مدجج بأحدث الأسلحة والتقنيات والتكنولوجيا الحديثة.. لقد دفع مواطنو غزة أثماناً باهظة لتحقيق هذا الفوز، بصمودهم وكفاحهم وعنادهم، دفاعاً عن مقاومتهم، التي قاتلت خمسين يوما من دون كلل أو ملل، حتى تحقق لها على طاولة المفاوضات بالقاهرة، مثل هذا الفوز غير المسبوق في حروبنا مع إسرائيل، بحيث ينبغي العمل على مزيد من تراكم عوامل وعناصر فوز لاحق، سياسيا وعسكريا، وضمن موقف فلسطيني موحد، وفي جولة التفاوض القادمة، حتى يمكن القول إن ما تحقق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان مدنياً وسياسياً، كان موحدا هذه المرة على الأقل فلسطينياً.

وإن كانت الغصة والمرارة تملأ حلوقنا، من مواقف العديد من الأشقاء العرب الذين وقفوا متفرجين، بل وكانت مواقفهم مخزية، وهي تشجع العدو الإسرائيلي على مواصلة عدوانه وارتكاباته الإجرامية بحق أبناء الشعب الفلسطيني.

وبالمناسبة، من خطايا بعض العرب، رسميين وغير رسميين، تعاملهم مع قضية الحرب الأخيرة، وكأنها موجهة لطرف فئوي، لهم معه ثارات وانتقامات، في وقت تشهد غزة أنها فلسطينية وعربية، وليست ملك فصيل أو تيار أو حزب سياسي ذي طابع ديني، وما فوز غزة في ردها عدوان الاحتلال وصمودها وبلاء مقاومتها البلاء الحسن، سوى الانعكاس الأوضح لموقف فلسطيني موحد، ينبغي له أن يرفض استثماره، وإعادة تقسيمه وتقاسمه حصصا ومنافع وغنائم سياسية، لهذا الطرف الإقليمي أو ذاك.

وفي الحروب المتواصلة، وذات الطبيعة التحررية، كالصراع الفلسطيني – العربي مع المشروع الصهيوني، ليس هناك انتصارات ناجزة، في جولات قتالية غير ناجزة أو مكتملة، بقدر ما هناك نذر انتصارات، هي ذات طبيعة تراكمية بالضرورة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *