الرئيسية » ثقافة » في محاضرة «الدين والتدين» بالجمعية الثقافية النسائية.. عبدالجواد ياسين: عملية الإصلاح تستلزم إعادة النظر في نظام التدين السائد

في محاضرة «الدين والتدين» بالجمعية الثقافية النسائية.. عبدالجواد ياسين: عملية الإصلاح تستلزم إعادة النظر في نظام التدين السائد

p11-yassinكتبت هازار يتيم:
أكد المستشار والمفكر المصري عبدالجواد ياسين، أن منهجي اللاهوت والفلسفة غيبا بشكل واضح البُعد الإنساني.. إما لحساب الموضوع الإلهي الذي يستغرق الدرس اللاهوتي، وإما لحساب المعاني المجرَّدة التي تتجاهل الحضور الحي للإنسان ككائن اجتماعي من لحم ودم، كما فعلت الفلسفة.

وأوضح خلال ندوة له أقيمت في الجمعية الثقافية الاجتماعية النسائية، أمس، تحت عنوان “الدين والتدين”، أنه في المراحل الأولى لنشئة النظام الديني لا تظهر الحاجة للإصلاح، لأن النظام الديني ينشأ أصلاً كإفراز ناتج عن النظام الاجتماعي المتزامن له، وما يحدث بعد ذلك أن هذا النظام يتم تثبيته، أي تجميده، كمقدس في مواجهة المستقبل، فيما النظام الاجتماعي يستمر بطبيعته في حركة التغير أو التطور.

اجتماعيات النشأة والواقع

وشدد على أن التناقض يبدأ بشكل تدريجي، مع تزايد المسافة الفاصلة بين اجتماعيات النشأة الأولى للنظام الديني، واجتماعيات الواقع اللاحقة، ولكنه يتحوَّل إلى حالة إشكالية عندما تصل التطورات إلى درجة التحول الجذري في الهياكل الكلية من اقتصادية واجتماعية وعقلية، مثلما حدث مع التحوُّل إلى العصر الصناعي، وتبلور الرأسمالية والعلم التجريبي.

ولفت إلى أن الإصلاح، باعتباره رفعاً للتناقض، هو عملية ضرورية دورية تجري بشكل طبيعي وتلقائي، ولكنها لا تبدو كذلك من منظور اللحظة، بسبب إيقاع حركتها البطيء، مشيراً إلى أن هذه التطورات كانت تتم ببطء شديد، بسبب فكرة المقدس، أي انطواء الدين على مفهوم عدم المساس، فيما المفهوم الاجتماعي أرضي متطور وقابل للتغيير باستمرار.

واعتبر أنه بسبب طبيعة التقديس تبدو قابلية النظام الديني بطيئة، لأنها تقوم على فكرة المقدس، لافتاً إلى أن حضور الدين في الاجتماع واقعة مادية لا سبيل إلى إنكارها، كما أن حضور الدين في الذات الإنسانية بديهية وغريزية وطبيعية.

تأثير الدين في الاجتماع

ولفت ياسين إلى أن النظام الديني جزء من النظام الاجتماعي، وحضور الدين يؤدي إلى تحريك عوامل الاجتماع، ويبدو تأثير الدين حاداً، ويحدث تأثيرات عنيفة في الاجتماع وتغير عوامله، وبالتالي هذا ما يقود بدوره إلى تحرك بنية الدين بشكل تدريجي بطيء، ويستجيب لحركة التأثير الاجتماعي.

واشار إلى أن ظهور البروتستانتية في القرن السادس عشر كانت رد فعل على التطور الاجتماعي الحاد المتمثل في تبلور الرأسمالية والتطور الصناعي وظهور المذهب الإنساني ومفهوم الحرية، وهذه الأمور مجتمعة، فرضت المسيحية الاستجابة لحركة التطور، فأنتجت البروتستانتيني.

خلل هيكلي

وأكد أن مشكلة الإصلاح الديني جذرية، ولا تتعلق بحاجات فرعية جزئية ذات طابع فقهي، بل بخلل هيكلي في مفهوم التدين ذاته، لذلك، فإن عملية الإصلاح تستلزم إعادة النظر في نظام التدين السائد، ولا يمكن أن تتم من خلال مفاهيم وآليات هذا النظام، أي من داخل منظومتي الكلام وأصول الفقه التقليديتين.

التجربة العبرية

ورأى ياسين أن التجربة العبرية كرَّست حضور المؤسسة الدينية، ككيان حاكم ومهيمن ملتصق بفكرة الدين، وعبر تحالفه المتواصل مع الدولة، تم فرض الدين كنمط جماعي ملزم، أي أن الدين سلوك اجتماعي جماعي، وليس مجرد فعل فردي شخصي، مبيناً أنه نتيجة لذلك ظلت المؤسسة الدينية تمارس تنميط الدين في صياغات جاهزة ونهائية، فارضة بذلك سلطة قمع متواصلة على الذروات الفردية.
أما في المسيحية، فقد قدَّمت الكنيسة الرومانية النموذج الأكثر عنفاً في هذا الصدد عبر تاريخ التدين، إذ منحت ذاتها صراحة سلطة التشريع الديني، نيابة عن الله، وعاقبت المخالفين بالقتل والحرق.

وفي ما يتعلق بتاريخ الإسلام، أشار إلى أنه شهد منذ البداية تأميم القمع من قِبل الدولة التي أعلنت ذاتها حارسة للدين، فاستوعبت وظائف المؤسسة الدينية في داخلها.

3 مصادرات

واعتبر أن ثمة مصادرات ثلاث أولية تتعلق بالدين والتدين:
-1 الدين توحيدياً، وهو وحي مفارق قادم من خارج الاجتماع، وبالتالي، فهو كلي مطلق غير قابل للتغير بفعل الاجتماع، أي غير قابل للتعدد والتطور.
-2 الإنسان هو موضوع الدين ومجاله، ومن ثم، فإن الدين لا يعمل في الفراغ، بل من داخل الاجتماع، ولا يظهر إلا من خلال التجلي في الواقع الاجتماعي، وهو ما يعني أن حدوث التدين (ممارسات البشر للمطلق في الواقع) ضروري.
-3 الإنسان هو أيضاً الذات التي تتلقى الدين وتمارسه، أي أن الذات التي تتدين، وبالتالي لا سبيل إلى إدراك الدين والتعبير عنه، إلا عبر وسائل الاجتماع، وفي مقدمتها اللغة.
وكشف أن المشكلة ليست في حدوث التدين، بل في تحوله إلى دين، أي اكتسابه صلاحية السلطة المؤبدة للمطلق، وهو ما يعني تثبيت كتلة من الثقافة التاريخية التي هي بطبيعتها غير قابلة للتثبيت، الأمر الذي يفضي في لحظة ما إلى صدام ضروري مع حركة الاجتماع العام الخام، بما أن طبيعتها متغيرة لا تقبل الثبات.

مفردات البنية الدينية

وبالنسبة لكيفيه قياس مفردات البنية الدينية، وإعادة فرز المطلق عن الاجتماعي، فأكد أنها تتم:
– وفقاً لمعيار التغير المطلق في مفردات البنية الدينية، وهو ما لم يتعدد ولم يتطور، ومثال على ذلك الألوهية التي ظلت كالأخلاق مبدأ مشتركاً ثابتاً داخل السياق التوحيدي، تعددت صور إدراكها والتعبير عنها.
– النظام الديني السائد في الثقافة التوحيدية الذي يقدم البنية الدينية بجميع مفرداتها، باعتبارها حقيقة مطلقة لا يجوز تغييرها، وهو بذلك يضع مفهوم الدين في مواجهة المشكلة التي يمثلها سؤال التطور.
– السجل التاريخي للدين، كما نقرأه في تراث الإسلام واليهودية، وبشكل مختلف في تراث المسيحية، يؤكد القاعدة، ويثبت أن أحكام المعاملات الفرعية لم تصدر في شكل لائحة مكتملة سابقة التجهيز عن مخطط اشتراعي مفارق للواقع، بل تنشأ تدريجياُ كرد فعل لمعطيات البيئة التي ظهرت فيها الدعوة الدينية.

تضخيم الدين

أما عن الكيفية التي يؤدي من خلالها التدين إلى تضخيم الدين، فشدد على أنها تتكون من كتلة الاجتماع التي يضمها التدين إلى بنية الدين الملزمة، والتي تدخل إلى هذه البنية من خلال التعاطي التأويلي مع النص التأسيسي، فتتراكم فوق النص في مرحلة التدوين، حيث يتحوَّل الدين إلى ثقافة مكتوبة من فقه وكلام وأصول الفقه، وهي في الحقيقة حقبة تأسيس ثانية تشهد دائماً ظهور نصوص جديدة.

وأوضح أنه لدينا 3 مراحل للتدين الإسلامي:
– مرحلة الوحي أو مرحلة التأسيس الأولى.
– مرحلة التدوين أو مرحلة التأسيس الثانية.
– مرحلة التجميد، وهي مرحلة تثبيت محتوى البنية الدينية في مواجهة العصور اللاحقة، وهذه الأخيرة لاتزال سارية حتى اليوم، وهي التي تستدعي مفهوم الإصلاح. وتطوَّرت البنية الدينية خلال مرحلة التدوين، نتيجة للتطورات الاجتماعية السياسية والاقتصادية.

حركة التطور الاجتماعي

واعتبر أن حركة التطور الاجتماعي طوال هذه المرحلة لم تذهب بعيداً عن خصائص الاجتماع الذي أفرز مرحلة التأسيس، حيث بقيت هياكل الاجتماع الكلية التي صدر عنها النص على ما كانت عليه:
– البنى الاقتصادية ظلت رعوية ريعية.
– البنى الاجتماعية ظلت قبلية عشائرية.
– البنى العقلية ظلت أسيرة لمثالية التفكير اليوناني السابق على التجربة.

ورأى أن الهياكل الكلية الاقتصادية والاجتماعية والعقلية لم تبدأ في التغير قبل العصور الحديثة مع تبلور الرأسمالية الصناعية ومنهج التفكير التجريبي، لذلك، يمكن القول بأن التحدي الذي واجهته المنظومة الدينية طوال العصور السابقة على العصر الصناعي وتداعياته التكنوعقلية ظل جزئياً.

وأكد أن محاولات الإصلاح الحديثة والمعاصرة تصر على العمل من داخل المنظومة السائدة داخل المصادرات التقليدية في الكلام والأصول، ومن هنا، فهي لا تدخل في صلب الموضوع، ولا تتجاوز المشكلة، وهذه المحاولات في الواقع تختزل مفهوم الإصلاح إلى مشكلة فقهية فرعية تستهدف تطويع الأحكام التشريعية للحاجات والعلاقات الجديدة.

وختم ياسين قائلا: هذا الهدف مشروع وواجب، ولكن أيضاً لا يستغرق المشكلة، وتحقيقه مستحيل، من خلال مقدمات الكلام والأصول التقليدية، مؤكداً أن ظهور المذاهب في الإسلام انعكاس للصراع السياسي.

p11-khalilانتكاسة

أكد خليل حيدر أثناء تقديمه للضيف عبدالجواد ياسين، أن العالم العربي منذ هزيمة 67 والحركة التنويرية والحداثة تعرض لانتكاسة، وبدأ الكثيرون يرون أن ذلك نوع من العقاب الرباني، وأن الطريق الذي ساروا فيه خاطئ، وأن طوق الإنقاذ سيكون بالعودة إلى الطريق الصحيح، أي العودة إلى الله.

ورأى أن الحركات والجماعات الإسلامية قوية وكبيرة، وتضم الكثير من المتحمسين الذين على استعداد لتقديم أنفسهم والموت على منصات الإعدام بكل جرأة، مشدداً على أن الخطأ الذي وقع فيه النظام هو ملاحقة هؤلاء الأفراد أمنياً، بدلاً من مناقشة أفكارهم السياسية والاقتصادية والثقافية وتفسير كتبهم.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *