الرئيسية » عربي ودولي » غزة.. دروس وعبر وصواريخ ليست «ألعابا نارية»

غزة.. دروس وعبر وصواريخ ليست «ألعابا نارية»

التدمير شاهد على وحشية الكيان الصهيوني
التدمير شاهد على وحشية الكيان الصهيوني

محمد الغربللي:
تعتمد إسرائيل على قوتها الجوية، لبث الرعب في القوات التي أمامها، وهذا ما قامت به عام 1967، عندما حسم سلاحها الجوي المعركة منذ اليوم الأول، بقصفه الطائرات المصرية وهي رابضة في مدارجها.. بعدها كانت القوة الجوية تشكل غطاء لقواتها الأرضية الزاحفة.. وهذا ما قامت به في اعتداءاتها المتكررة على الدول العربية الأخرى، وفي هجماتها بين فترة وأخرى.. قامت بالأمر ذاته في حربها على لبنان عام 2006، وحروبها المتكررة على قطاع غزة، بالهجوم المباغت على أهداف محددة، لتكون الضربة نوعا من المباغتة شديدة الإيذاء، ولا يهم وجود ضحايا مدنيين أو هدم للمساكن والدور المأهولة وغيرها.. مارسته أيضا في الضاحية الجنوبية، كما مارسته في غزة في حربها المجرمة الأخيرة.. وقد سبق أن صرَّح قائد القوة الجوية الإسرائيلية أمير إيشل، أن «قواته الجوية ذات الألف قطعة حربية تستطيع إنهاء حماس وقوتها في غزة خلال 12 ساعة فقط»..

هذا ما صرَّح به قائد القوة الجوية قبل حرب غزة الأخيرة، وتصريحه نابع من أداء هذه القوة أمام الجيوش العربية في حروبها مع إسرائيل، ومن غرور التفوق في نفوس قادتها على أنهم شعب الله المختار.. هي مجرد ساعات كانت كافية لإنهاء «حماس»، كي ترفع الرايات البيضاء، فهي ليست بقوة تسليحية كبيرة، مقارنة مع الجيوش العربية، كما أنها محاصرة في محيط ضيق ومساحة جغرافية لا تتعدى 360 كم2، عدا عن أنها لا تملك أي ظهر استراتيجي بعد قيام مصر- السيسي بردم الأنفاق وإغلاق شبه مستمر لمعبر رفح الحدودي.

صمود غزة

غرور القوة الإسرائيلي بدأ بالتكسر من أول أيام العدوان.. أمامه صمود بطولي للمقاتلين، وشعب صامد ومؤيد للمقاومة، رافعا رايات الكرامة والعزة، وبدت صواريخ المقاومة الفلسطينية تدك المدن الإسرائيلية، والصهاينة يتراكضون إلى الملاجئ، بمن فيهم القيادات العسكرية، صواريخ نُعتت في وقت سابق من أطراف فلسطينية وعربية بأنها مجرد «ألعاب نارية» غير ذات تأثير حربي على الكيان الصهيوني.

وحتى أثناء العدوان صدر من مسؤول رسمي عربي مثل هذا التصريح، مضعفا من شأن صواريخ المقاومة، ومقللاً من تأثيرها.. وها هي غزة، وبعد خمسين يوماً من العدوان، أعلنت انتصارها بالصمود البطولي، الذي أبداه الشعب الفلسطيني هناك.. وبالمقاومة العسكرية التي أبداها المقاومون، وأربكت القيادة العسكرية والسياسية في إسرائيل، وبدلا من الـ 12 ساعة، التي وعد بها قائد سلاح الطيران، مضت 1124 ساعة من دون أن تستسلم غزة أو ترفع الرايات البيضاء.. وحققت جزءا من مطالبها، ولكنها رسخت أمرا بالغ الأهمية، هو أن هذه المطالب لم تأتِ من خلال مفاوضات عبثية ورعاية أميركية، بل من رعاية الشعب الفلسطيني وحده، بالتفافه مع المقاتلين، هي الرعاية الوحيدة القادرة على استخلاص الحقوق والمطالب.

الحرب أو العدوان الإسرائيلي الأخير انتهى الأسبوع الماضي باتفاق برعاية مصرية.. وكانت أهازيج الفرح ترتفع في سماء غزة والضفة.

دروس فرضت نفسها

إلا أنه وبعد أن سكت السلاح، هناك نتائج ودروس من هذا العدوان، دروس ونتائج لا يمكن حصرها بمقالة، فهذا شأن المقاتلين والقوى السياسية الفلسطينية، ولكن نعرض منها:

أولاً – فرضت إسرائيل، وبرعاية أميركية كاملة، أنه لا يوجد مسلك أو طريق إلا التفاوض معها على قاعدة الإذعان الكامل لمطالب الصهاينة، تفاوض استمر طوال عشرين عاما من دون نتيجة على الأرض، بل على العكس من ذلك، استمرت إسرائيل طوال تلك السنوات بالتمدد الاستيطاني في الضفة واعتقال المئات، متى ما شاءت ذلك، وحتى إلقاء القبض على أمين عام الجبهة الشعبية أحمد سعدات، ومروان برغوثي، وعدد كبير من نواب المجلس التشريعي الفلسطيني، وآخر أفعالها إبعاد القيادية خالدة جرار من رام الله إلى أريحا، وإلزامها بمغادرة منزلها خلال 24 ساعة.. تريد إسرائيل، ومن خلفها الولايات المتحدة، إذلال الشعب الفلسطيني طوال تلك السنوات، والويل إن كان هناك تذمر أو تحرك جماهيري، فالسلطة مسؤولة عن ذلك، والتهديدات بإيقاف تحويل مبالغ الأموال لها جاهز للتنفيذ.

صمود غزة البطولي أزال إلى حد كبير هذا الطريق السرابي الذي سلكته السلطة طوال سنوات، من دون ككل أو امتعاض، سراب لم يقدها إلى شيء يذكر، وهذا ما أعلنه صراحة د.رمضان شلح في مؤتمره الصحافي الذي عقده يوم الثلاثاء من الأسبوع الماضي في بيروت، بقوله «غزة أنهت هذا السراب الذي استمر سنوات وسنوات».

ثانياً: صمود غزة أنهى هذا الغرور والصلف الإسرائيليين، غرور القوة والتباهي به، فكم مرة صرَّح رئيس الوزراء الصهيوني نتنياهو بأنه في حال عدم إيقاف البرنامج النووي الإيراني من قِبل الولايات الأميركية وحلفائها الغربيين، فإنها ستقوم وحدها بمهاجمة المفاعلات النووية الإيرانية، فبرأيه إسرائيل وحدها قادرة على مهاجمة إيران! تصريحات متكررة صرَّح بها نتنياهو، إلا أن الواقع أثبت أن إسرائيل، وطوال خمسين يوما، لم تستطع فرض إرادتها على قطاع مساحته 360 كم2، فكيف ستقاتل بلدا مساحته مليون وستمائة وثمانية وأربعون كم2.

ذات الرؤية تنطبق على قوة حزب الله اللبناني، فهو يتمتع بقوة قتالية أشد من قوة المقاتلين المحاصرين في غزة، كما أنه أقوى على المستوى اللوجستي والطبغرافي في لبنان.. وساحات البر والبحر مفتوحة أمامه وقوته التسليحية متواصلة ومتزايدة منذ حرب عام 2006، وهناك الكثير من القادة والدارسين الإسرائيليين أخذوا يعيدون النظر في موضوع حزب الله، ولا يخفون خشيتهم من أن يحتل في أي حرب قادمة منطقة الجليل الأعلى في إسرائيل.

ثالثاً: أوجد صمود غزة قدراً كبيراً جداً من التلاحم الفلسطيني على المستويين الشعبي والرسمي، عن طريق الوفد الفلسطيني الموحد المفاوض وعلى أرض المعركة.. كانت هناك محاولات دؤوبة من أطراف عربية وعالمية على تصوير المعركة كأنها ضد حماس «كمنظمة إرهابية» وفق تصنيفاتهم، بقصد الاستفراد وشق الفصائل الفلسطينية، إلا أن هذه المحاولات لم تنجح، والصمود البطولي هو الذي نزع الغطاء عنها.

رابعاً: كان هناك صمت رسمي عربي طوال الشهر الأول من العدوان، فلا جامعة صرَّحت ولا مسؤولون وقفوا مع غزة البطلة، بل ذهبت بعض الصحف الأجنبية والعربية إلى القول إن هناك أنظمة ضالعة بقدر أو بآخر بهذا العدوان، ومؤشراتها كثيرة، أهمها هذا الصمت ظنا منها (الأنظمة) أن العملية ستنتهي خلال أيام، كما وعدتها إسرائيل، ولكن العدوان طال أكثر من شهر، وصمود الشعب الفلسطيني جعل هذه الوعود تذهب أدراج الرياح.. وإن كان هناك فهم لمواقف مثل تلك الأنظمة، إلا أنه من المستغرب حقا أن يتوقف الحراك الشعبي العربي ومنظماته القومية عن القيام بأي تحرك ضاغط ضد الأنظمة، سواء كان على مستوى البلدان العربية، أو على المستوى القومي العام، وكأنه لا يوجد رابط قومي ما بين الشعوب العربية، روابط تجذرت منذ عقود، ونخشى أن تكون هذه الجذور قد جرى تجفيفها على مدار الأعوام من دون أن نعلم.. وعلينا إعادة إحياء تلك الجذور من جديد.. فحتى التجمع الذي تمَّت الدعوة إليه من قبل عشرات منظمات المجتمع المدني في الكويت في ساحة الإرادة لم يحضره إلا عدد قليل من المحتجين.. التظاهرات التي سارت في المدن الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية كانت أكبر بمئات المرات عنها في الدول العربية!

نعم، غزة انتصرت، على الرغم من القتل الهمجي والتدمير، ولم يكن للعدوان الإسرائيلي من سبيل، إلا هدم المنازل والمجمعات السكنية، لعل غزة ترفع الراية البيضاء، إلا إنها لم ترفع إلا راية العزة والكرامة.

روايات كثيرة ينسجها هذا الصمود، فقط انظروا لما تقوله الصحف الإسرائيلية عن المدن الخالية من السكان والهلع الذي أصابهم، وتدني شعبية نتنياهو وفشله السياسي لإثبات أن هذه الصواريخ لم تكن ألعابا نارية، بل قذائف كرامة وعزة وصمود.

بصمود أهلها.. انتصرت غزة رغم كل شيء
بصمود أهلها.. انتصرت غزة رغم كل شيء
Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *