الرئيسية » عربي ودولي » رحيل سيف الإسلام عبدالفتاح.. المناضل المثال

رحيل سيف الإسلام عبدالفتاح.. المناضل المثال

أحمد سيف الإسلام
أحمد سيف الإسلام

كتب محرر الشؤون العربية:
«الساعة الرابعة مساء اليوم احتفلت مع زملائي بآخر وجبة لي في السجن».. بهذه الكلمات كان الناشط السياسي علاء عبدالفتاح قد استهل رسالته التي كتبها في زنزانته بسجن طرة، ليشرح فيها قراره الإضراب المفتوح عن الطعام الذي بدأه في 18 أغسطس الماضي.

وقال في رسالته: «قررت بعد أن رأيت والدي يصارع الموت حبيساً في جسد لا يطاوع إرادته أن أدخل إضراباً مفتوحاً عن الطعام، حتى أنال حريتي، فسلامة جسدي لا قيمة لها، طالما ظل خاضعاً لسلطة ظالمة في حبس مفتوح المدة، وفق إجراءات لا علاقة لها بالقانون أو العدالة.. راودتني الفكرة وأجَّلتها أكثر من مرة، حتى لا أكلف عائلتي مشقة مضاعفة، خصوصاً مع اعتياد وزارة الداخلية التنكيل بالمضربين عن الطعام والتضييق عليهم، ولكني أدركت أن مشقة أهلي تزداد مع كل يوم يمر عليَّ في السجن، فما سُجِنَت أختي الصغرى سناء، هي ومعتقلي الاتحادية، إلا لمطالبتهم بالحرية للمعتقلين. حَبَسوا أختي، لأنها طالبت بحريتي!.. حبسي المتكرر كان حلقة من حلقات نضال عائلتي، نحاول معا إكمال نضال آلاف لا تيأس أبداً وملايين تنتفض أحياناً».

واختتم رسالته بالقول: «اليوم انفرطت السلسلة.. فسناء في سجنها تحتاج إلى مَن يرعاها، بدلاً من أن ترعاني، ومنال (زوجتي) تكافح وحيدة لحماية خالد (ابني) من تبعات الحبس ووقف الحال، ومنى (أختي) وأمي تتناوبان رعاية أبي المغيب عن الترافع عني! لذا، أستأذنكم أن أناضل اليوم، ليس لحريتي فقط، ولكن لحق عائلتي في الحياة. بدءاً من اليوم أحرم جسدي من الطعام، حتى يتسنى لي أن أبات بجوار والدي وهو يصارع جسده، فلا كرامة لجسد محروم من أحضان أحبائه.. أسألكم الدعاء.. أسألكم التضامن.. أسألكم الاستمرار في ما توقفت أنا عنه من نضال وحلم وأمل».
هكذا أتت رسالة علاء عبدالفتاح، الذي يعد أحد الوجوه البارزة لثورة يناير، التي أطاحت الرئيس الأسبق حسني مبارك، وقد حُكم عليه بالسجن مدة 15 عاما، بتهمة انتهاك قانون التظاهر، ولم يكن يعلم أنه بعد تسعة أيام على نشر رسالته هذه في موقع «مدى مصر» سيلفظ والده أحمد سيف الإسلام عبدالفتاح آخر أنفاسه، بعد صراع مع المرض ومسيرة حافلة بالنضال والدفاع عن حقوق الإنسان.

وكان أحمد سيف الإسلام قد أصيب بجلطة في القلب استلزمت إجراء جراحة، إلا أنه دخل في غيبوية، قبل أن يعلن عن وفاته يوم الأربعاء الماضي.

الحقوقي البارز

يُعد أحمد سيف الإسلام عبدالفتاح أحد أبرز المدافعين عن حقوق المعتقلين في مصر، ومؤسس مركز هشام مبارك الحقوقي… قبل 21 عاما تم القبض عليه بتهمة «الانتماء لتنظيم يساري» في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، وتعرَّض للتعذيب بالكهرباء في سجن القلعة، وخلال فترة اعتقاله، التي دامت خمس سنوات، تمكن من الدراسة والحصول على ليسانس حقوق، (كان لديه بكالوريوس اقتصاد وعلوم سياسية)، وقد ولدت ابنته منى وهو في السجن، مثلما حدث مع ابنه علاء، الذي ولد ابنه خالد وهو أيضا في السجن، و»«كأن التاريخ يعيد نفسه»، كما قال في أحد أحاديثه بعد خروجه من السجن.

كرَّس أحمد سيف الإسلام حياته للدفاع عن المعتقلين والمطالبة بحقوق المظلومين من مختلف التيارات السياسية.. ففي عام 2008 كان عضوا في فريق الدفاع عن 49 شخصا حُوكموا أمام محكمة أمن الدولة العليا (طوارئ) في طنطا، شمالي القاهرة، بتهمة الاشتراك في الاحتجاجات التي خرجت في 6 أبريل 2008، تضامنا مع الحراك العمالي في مدينة المحلة.

وفي يونيو الماضي، عقد مؤتمراً بمركز هشام مبارك، للدفاع عن المعتقلين، وقد كان المؤتمر الحقوقي الوحيد بعد 30 يونيو للدفاع عن المعتقلين، وحضره العديد من أسر معتقلي التيار الإسلامي، لهذا، فقد نعاه الكثير من الشخصيات العامة، على اختلاف توجهاتهم السياسية، فور سماعهم نبأ رحيله، ومنهم المفكر فهمي هويدي، الذي كتب يقول «بوفاة الأستاذ أحمد سيف الإسلام ـ الناشط الحقوقى ـ يختفى أحد اليساريين المحترمين، الذين يمثلون كتيبة مهددة بالانقراض في الساحة السياسية.. فالرجل كان مناضلا استمد نبله من انتمائه الإنساني ووظف يساريته لأجل الدفاع عن الحق والعدل ومواجهة الظلم السياسي والاجتماعي.. ظل مخلصا لقيمه، فلا باع ولا ساوم ولا دخل في صفقات أو تحالفات أو خصومات، كغيره ممن صار اليسار بالنسبة إليهم مشروعا سياسيا استثماريا جاهزا للميل مع كل ريح، وليس مشروعا فكريا له وجهه النضالي والإنساني. ومن المفارقات أن الرجل الذي ظل يقود حملة الدفاع عن المظلومين والمعذبين أصبح حضوره في الساحة السياسية أقوى بكثير من الذين يرفعون هذه الأيام رايات اليسار، مدعين أنهم الممثل الشرعي الوحيد له».

المناضل المثال

من جهتها، وافقت وزارة الداخلية المصرية على خروج المعتقلين الناشطين علاء عبدالفتاح، وشقيقته سناء، من سجنهما لحضور جنازة وعزاء والدهما، وقد سبق لها أن سمحت لهما بزيارته في المستشفى أثناء مرضه في 17 أغسطس الماضي.. وعلى الرغم من أنهما خضعا لإجراءات أمنية مشددة، وعادا لمحبسهما فور انتهاء مراسم الجنازة يوم الخميس الماضي، فإن هذا لم يمنع علاء حين كان يتلقى العزاء من القول أمام قبر والده: «أبويا مات شهيد وأنتم عارفين مين قتله»، ووفق ما نشرته جريدة الشروق المصرية هتف الحضور بعد انتهاء الدفن: «أحمد سيف حافظين أفكارك إحنا هنكمل مشوارك» .

كما رفع العشرات ممن شيعوا الجثمان وسط حضور ملحوظ لعدد كبير من النشطاء اليساريين والإسلاميين والشخصيات العامة لافتات تحمل صوره بجوارها عبارة «مات المناضل المثال».

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *